ألفتُ الهوى طفلاً وكهْلاً وأشيبا
وما رُمْتُ لي دينًا سواه ومذهبا
ولم أر شخصًا مثل شخصي متيَّمًا
ولم أدرِ قلبًا مثلَ قلبي معذَّبا
رعى الله من بات الفؤاد بحبِّها
حريقًا على جمر الغضا متقلِّبا
إذا ما مُحيّا البدر قابلَها صَبَا
إليها وأبدى للمغيب وغرَّبا
مُمنَّعةٌ لا يمكن الطرْفُ أن يَرى
جمالَ محيّاها البديعَ المحجَّبا
جفتْني ومَنْ لي مِنْ جفاها وليس لي
أخلاَّيَ ذنبٌ في جَفاها تسبَّبا
ومُذْ صوَّبتْ قلبي بسهم صدودِها
رأيتُ سهامَ القتل أولى وأقربا
أشابتْ شعوري ثم مني تنكَّرتْ
ومنها مشيبي كان من زمن الصِّبا
شُغِفْتُ بها حبّاً وما ليَ مأْربٌ
سواها ولا أرضى سوى الحب مأْربا
ولم أنسَ مذ قالت دلالاً ومحنةً
أراك بدعواكَ الغرامَ مكذَّبا
وسُهْدي وسُقْمي وانتحالي وأدمعي
شهودٌ عدولٌ رامتِ الصدقَ مركبا
وقالتْ بأني في الغرام سلوتُها
ولست أرى السُّلْوان في الحب مذهبا
فلا عشتُ إن مَرَّ السلوُّ بخاطري
ولا أمَّ لي إن كنتُ أسلو ولا أبا
وكيف ترى المشغوفَ يسلو حبيبَه
وهيهاتَ يسلو الصَّبُّ مهما تعذَّبا
وكان على سمعي حديثُ ملامها
ألذَّ على المحْرور من نسمة الصَّبا
وما أجملَ التأنيبَ فيمن تحبُّه
وما أعذب التعذيبَ فيه وأطربا
أما والهوى العذريِّ قلبي بحبِّها
أسيرٌ ولا يرضى من الأسر مهْربا
أبَى اللهُ إلا شِقْوتي في غرامها
ولم يرجُ من يشقَى سوى الذلِّ مطلبا
رأيت نواها لي مُبيدًا وليتها
تُنيل المعنَّى من جَنى الوصل مأْربا
فباللهِ دعْني عاذلي لا تلُمْ فتًى
يرى الموتَ في شرع الصبابة أقْرَبا
وحاشايَ أني أرهبُ الموتَ في الهوى
ولكنْ أرى هجري من الموت أصعبا
فَشَقِّي لجيبي في الهوى ليس نافعًا
فمن لم يشقَّ القلبَ كان مكذَّبا
فما العزُّ إلا بالحبيب وعطفِه
وما الذلُّ إلا أن تكون مخيَّبا