تخطَّ إلى المحتوى

غير معروف

١٤٩ بيت

المتفرقات

أوكلاند 2006

لا شعرَ دون العراق.

العراقُ أولاً،

والشعرُ بعده إن جاء.

لا شعر

إن لم يُجسِّد

أحزانَ العراق.

الشعرُ والعراقُ توأمان،

والحزنُ والعراقُ توأمان.

ورثنا هذا الحزن

من عشتار،

ومن تموزَ في غابر الأزمان.

نحنُ والحزنُ توأمان.

كأنّي أرى الفراتَ وأمواجَه:

ليست سوى عيونٍ تبكي،

تمرُّ المياهُ على ترابنا

لتغسلَ بعضَ الأحزان.

زفراتُ الثكالى من حروبٍ وخطوب

كأنها سمومٌ تهبط كلَّ نيسان.

كلُّ عامٍ يُبعث الأمل،

ونجترُّ الهوان.

أمواجُ دجلةَ تهمُّ بالنهوض،

تعاونُ الثكالى بحثاً عن شهيد.

ما زال خلفَ الحدودِ فقيد،

ضحيةُ الحروبِ والأحقاد.

جراحُه جفّت من الصديد،

والعظامُ ما زالت تحكي

قصصَ الرجال.

تنهضُ كلَّ عامٍ من جديد

لتخبرَ الأحراشَ والرمال

عن حربٍ

ما كانت سوى أحقادِ رجال،

وقودُها

جماجمُ الرجال.

الحزنُ في العراقِ موروث،

تربتُه السهولُ والجبال.

يولدُ كلَّ عامٍ في تموز،

حين تنشفُ الأرضُ والرمال،

ويرحلُ الرعاةُ عبثاً

بحثاً عن قطرة ماء.

الصبرُ يا عراقُ توأمُك،

كما الصبرُ توأمُ الجمال.

الحزنُ في قرى العراق

رفيقُ كلِّ فلاحٍ في تشرين،

يرتجي المطرَ فينثرُ البذور،

وفي نيسان

يحصدُ الخيباتِ والشرور.

في الصرائف،

في الأهوار،

في الخرائبِ الخاويات،

نسيتِ الحياةُ ركناً

كان اسمُه السرور.

التلميذُ يتأبطُ دفتراً في الصباح،

يسيرُ بلا أمل،

كأن الطريق

يمضي به نحو الحربِ والثبور.

الحزنُ في وجوه الأمهات،

ليالٍ بلا خبز،

مثقلاتٍ بالهموم.

وفي أعين الآباء

من ثقل السنين

يعدّون النجوم.

أرضُنا جرداءُ بلا ماء،

ولا نخيلَ،

ولا كروم.

نصلّي كلَّ عامٍ

نستسقي المطر،

فنحصد الخيباتِ والهموم،

ونجني الرعودَ والغيوم.

وهكذا تمضي السنين،

تمرُّ كما مرَّ المغولُ والتتار،

والأتراكُ والعجم.

نحصيها

كما نحصي الجفافَ والوباءَ والألم،

كما نعدُّ الحروبَ

والحصارَ

والدمارَ

والمحن.

كأن الحزنَ توأمُ العراق،

وكأن الشقاء

قدرُ هذا الوطن.

فتارةً تغصُّ الشوارعُ

بالرفاقِ والفتن،

وتارةً

بالعساكر،

والنفاق،

والحروبِ والردى.

ماذا تقول

لروحِ كلِّ شهيدٍ

أزهقت سدى؟

خمسون عاماً

والعراقُ يغصُّ بالمجاعةِ والردى.

خمسون عاماً

لم يرَ العراقُ

غيرَ الجراحِ والمحن.

كأن هوايةَ العراق

أن يعانقَ المحن،

وفي كلِّ منعطف

حكايةٌ من شجن.

الحزنُ في الحقول،

في عينِ حاصدٍ في تموز،

يرشفُ الماءَ الأجاجَ واللبن.

تقرّحت ساقاه

من الكدِّ والجوع،

وينشدُ كلَّ مساءٍ

أناشيدَ الوطن.

ويرجو ويحلم

أن الجراحَ يوماً

تندمل،

وأن يكبرَ الجيلُ الفتيّ

فيمسحَ الأحزانَ والألم.

كلَّ عامٍ

حين يرتدي الخريف

دثاراً من شحوبٍ وذبول،

وحين يهبط

ليلُ الجوعِ الطويل،

تلوحُ في الأفق غربان

كأنها نذرُ القحط

وقرعُ الطبول.

وشيئاً فشيئاً

أرى جسدَ أبي

يتلاشى في الذبول.

من مشرق الشمس

حتى مغيبها

يحرثُ أرضاً من خراب

بلا حصاد

ولا أملٍ مأمول.

لكن العراق،

رغم كل شيء،

يقف.

مثل نخلةٍ كسرتها الرياح،

سعفُها مُنحنٍ ومجروح،

لكنها

ما زالت واقفة

في وجه الزمن.

وفي وجه الحزن،

كأنها

الوطن

أمٌّ ذبحت وليدَها

أيام الحصار،

ذبحةَ الرحمة.

قالت:

في السماء

لن يعرى،

لن يجوع.

في السماء

عدالةٌ لا يظلم فيها بشر،

وخبزٌ

وماء