تخطَّ إلى المحتوى

غيلان له مع الوجود قضية

غير معروف

١٠٨ بيت

الحكمة

غيلان له مع الوجود قضية

غيلان… نفس تلتحف الشوارع،

بلا مأوى يخفف عن عناها،

لا يناديها أو يناغمها سواها.

أنت مولود حطام من إحدى بنات الدهر،

هكذا للحدثات قضاؤها.

بدأت منذ الطفولة…

أفكار الوجود تراوده،

وليس من مجيب للسؤال:

ما معنى الوجود؟

هل من دليل يدلني كي أرى معنى للوجود،

والخطيئة، والعقاب، والموت، والحياة، والخلود؟

لا تبدو النهاية أمرًا مؤكدًا،

لتبرير البداية والوجود.

كل هذا لا يبرر أطماع الرجال،

ولا أضغان بلا نهاية،

وأحقاد بلا حدود.

يقول للمعلم: “أنا لا أعلم أي شيء.

أعلم أمرًا واحدًا، هو أني لا أعرف شيئًا”.

قال المعلم: “جنّ غيلان… ما لك والفلاسفة يا مسكين!”

كأنه واعٍ يغط في سبات،

في عالم غريب،

يجري موازياً بلا تقاطع مع كل من كان قريبًا.

ثم بدا غيلان… غريب… غريب.

رأى أيام الطفولة ووميضًا من سنا،

زاهرًا، يوعد بالدفء والمنى.

يستفيق، وكل ما رأى وهم وأبراج من خيال،

طائر كان بين يديه وانطلق…

لا هو عائد، ولا غيلان ينسى الألم.

قال: “منيّتني بما لست أرجو من الزوال…

جاهد يا غيلان، فالدنيا تعشق فتى راغب غير راهب”.

ثم يقول: “لم أكن راغبًا في البداية كي أكون راهبًا”،

أصرّ أن يحيى حياة راهب.

تناديه أمه وتغص بالدموع الذارفة:

“لو كنت أعرف… لماذا يا غيلان طلقت الحياة؟”

كان يرى أمه تضمحل كل عام،

كأن الأسى من عروقها أو محياها

يمتص إكسير الحياة.

ثم ماتت دون وصية،

دون أن تهب غيلان قبلة أو هدية.

غيلان حاضر، لكنه عنها بعيد…

كأنه يعود إلى أجرام أو ثقوب في السماء.

أين ينتمي غيلان؟

في كل مكان، ليس على هذه الوطيئة.

ماتت أمه، والمنازل توارثها الوراثون… إلا غيلان،

فهو لا يعي أن يكون له حق بها.

قد مضى حين على ذلك الطلاق،

أو ربما حان اليوم ميعاد الفراق:

فراق حبيب ثم موت قريب.

ثم ماذا؟

غيلان غير مختار، ينسى كل هذا…

أو يبتغي شيئًا ليس في الوجود.

لمَ تسعى إذا كان ما تبغاه ليس في الوجود؟

الدنيا بما ليس لديها لن تجود.

هناك أمل خارج السجن الكبير،

خلف قضبان الحدود.

وجدته في درب بغداد مرة،

وبغداد فيها ساحة التحرير،

مأوى اللاجئين.

عليه ثياب من شدة العوز قصيرة،

كأن أسفلت الشوارع جاد عليها بطلاء

يسد فيها الثغرات،

يذود عن نفسه من سفه الصبيان،

وكلاب بأيادي عارية.

ضاعت عليه تدابير الحياة،

لا يكلم الناس، ولا في الوجوه يبتسم،

نسى منذ حين معنى الابتسامة،

ولا يرى جدوى بنطق الكلمات،

يرفض حتى التسول،

أو كل ما من شأنه مد إكسير الحياة،

إن لم يكن هناك سبيل للخلود،

أو لن يُعطى مناه…

فلا، وكلا، للحياة.

كأن غيلان حين رأيته رجلًا،

في ظلمات الجماجم، موقوف، سجين…

كل الآلام، الجحيم، الحياة والممات،

تئن في الظلمات، يجترها غيلان في كل حين.

رأينه يلتحف الأسفلت شبه عار،

في حر الهجير وشتاء قارص البرد،

في عالم مهين…

أو هكذا يدعي السائل في عالمنا الرصين.

سعيد غيلان بدنيا يمتهن فيها الجنون،

هارب إلى عالم حر بلا عناء،

يلتحف الطرقات بلا وقاء.

لا حاجة له في أي حاجة،

ولا أجر الدواء، أو حتى وفرة الغذاء.

لا يحفل غيلان بأحد في لقاء،

لا يسأل ويأكل حين يأتيه العطاء

من ساكني العالم الدوني،

ذوي جاه ومال ورخاء،

من الحسان في الأندراسي يتبضعن،

الحليّ من لوي ڤيتون على شواطئ النهر.

أعطيته ثمن وجبة،

قبلها، ولا يكد يأبه بالجوع أو الصدى،

كأنه يهنأ بأن يصارع الردى.

بدا الظلام يلتهم المدينة من أطرافها،

والثلوج دثار للشوارع في الظلام.

غيلان يراهن البقاء ويصارع الردى،

كل ليلة حين ينام،

يلتحف الأسفلت والثلوج وأطراف الردى،

وحيدًا… كل ليلة ينام بأطراف الجسر.

جسر المدينة يحميه من المطر،

كأن غيلان بيومه الطويل… هو البقاء،

مقرون بالردى، والمدينة، والجسر.

رأسه مصنع لكل أشكال الجنون،

إن شئت، هات كأسك، واغترف، ثم استزيد.

لا يكترث بأي شيء قاله زيد أو عمر أو لبيد،

شهاب مثل لمع النيازك، لا يبالي عن مساره إن يحي