أوغروا صدور الرجال بالأحقاد والضغينة،
كذاب لندن، وقرد واشنطن، وأحلاف مهينة.
من أين جاء هذا الحقد؟ من أي كهف، أي غاب؟
ماذا ستترك لنا أشداق الضباع؟
باسم الحرية تُغتال هويتنا، وتطعمنا الضياع،
غربان سود تنذر بالرزايا، والفتية بالوداع.
أطبقت عتمة الغبار والليل على صدر المدينة في أساها،
كأنها فأل شؤم للعراق، ينذر بالرزايا.
وبغداد تغرق شيئًا فشيئًا في رداها،
تثاءب المساء بالهواجس والمخاوف،
حتى فتحت باب السعير، تقيء على الأبرياء بوابل من لظاها.
وخيم الأسى على مدن العراق ونهريها،
وعلى السهول وكل دروبها وثراها.
ضباع تتبع، تفغر أفواهها،
وأمطرت سجيلاً لتطفئ من عينيها بكل الأسى سناها.
طفلة من الرعب زالت نظارتها،
واشرأبت كأن الخوف يشرب من محياها دمها.
كيف يفهم البريء حربًا يكتوي كل عراقي ولم يقترف إثماً؟
أو لم تستبح بلادي كل حين دون كل بلاد وسواها؟
أو كيف تثكل الأقدار أمهات وتزهق أرواح بريئة في صباها؟
من هؤلاء القادمون من خلف الحدود؟
أحفاد هولاكو، للحرية دعاة فاسقون.
ألقوا على المشرق من الخوف ظلالًا من ترقب وسكون،
والعراق يسبح في دمائه، وتخوض في دماء أبنائه دماه.
عمدوا إلى قتل كلمة هي العروبة،
كي لا تعلو للعراق في سماه.
أشداق الضباع للموت جياع،
تذرع الدروب، والموت يجول فيها بحثًا عن ضحاياه.
لم أسمع برجل يوصف قردًا إلا في اليمن،
أن يقرد مثل بوش ويتحكم في أموري؟
لا رعى الله الزمن…
مسخت بلادًا كنا نسميها وطناً.
قبح الله ما صنعت أيدي الغزاة من خراب ودمار ومحن.
من شدة الوجل أرى الخوف في أحداق الأطفال يرفرف مثل عصفور سجين،
والأسى في أعين الآباء يعجز عن سد رمق الأطفال.
يكاد يجلجل الحقد الدفين،
ووجوه الأمهات يأس في قرارتها ويستكين،
والعيون حيرة تلهج بالسؤال: “لم نحن؟ وإلى أي حين؟”
ويضمحل الجواب شيئًا فشيئًا على شفاه أبنائها في كل حين.
ولظى الحرب تلقاها أوصال جند مكبل، مكدود، عارية الصدور.
يكاد ينكر كل من شهد الوقيعة أن صداها بهتان وزور.
أهكذا والعالم متفرج؟ تحرق بغداد الرشيد وتصبح ركامًا من صخور؟
وقيادات العروبة تستتر جبناً، لا ملاقاة الصقور،
ولم يدر المغرر به أن الدوائر حتماً ستدور.
يغتالون البريئة لأن مرتزقًا رآها تلقي على رفات شهيد أكاليل زهور،
الطفل يفتح باب داره ليلهو، وفي قارعة الطريق يبوء ذعراً وثبوراً.
حتى الطفل في بغداد عدو،
حتى الطفولة والنساء والزرع عدو للنسور.
عار يصم جبين العمائم واللحى،
وكل من تواطأ يرجو المناصب والعلاء.
عار تغسله أرواح أحرار العراق بالدماء،
سرف كل دبابة تحفر ثأراً في البناء، تحفر جرحًا في العراق والإباء.
دورنا ودوائرنا… حطام مستباح،
في الطرقات من الكرخ يصول علج بالسلاح،
وسرايا الموت تجول باسم ثأر البعث،
بئس ما جئتم به إلينا من سفاح.
من جاء باسم الحرية يبحث في جيوب المعدمين عن الذخائر؟
فمن يريق الدم لن يثنيه وازع عن صغائر.
في ليل حالك السواد يروعون طفلاً بريئاً تحت فوهات البنادق،
ويأسرون من يشاء دون ذنب أو سوابق،
ثأر مغدور، أو جثمان فقيد هنا أو هناك،
لسنا ندري من نلاحق.
أيها الغاصب الباغي، عم تبحث؟
لم يترك التتار قبلك من ثراء،
وأنت أيها الغادر بأهله، كفاك غدراً، كفاك ثأراً من دماء الأبرياء.
إنما الباغي تولى ولن يعود،
كفى بجريرته أن توغل في أعراض العراقيين بلا حياء.
سرايا الموت تجوب الطرقات، تتنكر في الخفاء،
تقتل على الهوية: عمر أو عمار أو كل من تشاء.
فتاوى العمائم واللحى، كفى غدراً، يكفي غدر الجبناء.
كم خريف مر على بغداد، وكم شتاء،
وكم من غادر لا يشفى من شرب الدماء؟
أرض العراق تدمي وتسأل: هل ترك العدوان في دجلة ماء؟
كم عام مر على العدوان، وعلى وجوه النازحين من الخوف نقرأ آلاف آيات العناء؟
ويبقى العراق للأسى والخطايا وعاء،
كأنه ليس إلا للخطايا وعاء.
وأسفاه! أرى جمجمة العروبة، مهد الحضارات، بلا ذنب تمزق إشلاء،
وحكام العروبة يلهون بالخطايا والثراء.
من للعروبة بعد الرافدين لواء؟
ما للعروبة بعد بغداد بقاء؟
المخبر السري بلا ضمير يشي بكل من يشاء،
ليورد الهلاك والردى، عسى أن يحظى بالعطايا والرضا.
الرضا من صعلوك لا يساوي بميزان الكرام سوى السدى،
ويبقى العراق أسير أحقاد وأضغان وخرافات على المدى.
كأن بغداد فتاة في البراءة…
من الرعب ما عساها فاعلة؟
تغرق في أساها، والدبابات على الجسر تريد الرصافة في سيرها،
بوضح نهار بغداد في أعلى ضحاها.
دجلة تشرب القدر المحتوم، وتصرخ بوجه غاصبها: كفى البغي، فهلا من يراها؟
ياسمين وعبير اغتُصبتا ثم قُتلتا بلا ذنب في خدرهما وفي أينع صباهما.
سرف الدبابات وبساطيل العلوج تجوب الشوارع،
تزجي الموت للأبرياء كما شاء هواها.
الموت للعراقيين بأيدي العراقيين، وأرض السواد مستباحة وسماءها.
ماذا تقول لطفلة تيتمت، سلبها العلوج أو الضغينة أباها؟
كان يعود كل مساء، يستنشق الرجاء من الأزاهر في محياها،
يغني لها عن العرائس والسنابل والحقول، ويجلب الهدايا والحنين.
أبوها لم يعد بعد يومنا هذا أباها.
تكاد ترى ألف سؤال فوق الشفاه وعلى محياها وفاها،
لا تسمع بعد اليوم غير الأنين…
تسمع نوح الحزانى، أو عويل السبايا والثكالى، وآلام السنين،
فوق ثرى العراق وفي سما