قَدْ زَارَنِي عِقَابُ الرَّمَمِ مَرَّةً
فِي لَيْلَةِ بَدْرَاءَ يُسْمَى ذِكْرُهَا،
زَائِرِي لَا يَقْوَى عَلَى رَفِّ رِيشِةٍ
أَتَى مَنْهَكًا كَأَنَّهُ قَشْعَمٌ،
قَدَّمْتُ إِلَيْهِ بَعْضَ الطَّعَامِ
فَلَمْ يَقْبَلْ بِهِ…
قُلْتُ: مَا أَصَابَ الرَّمَ ذَا الْعِزِّ
قَالَ: قَالَ عِزِّي بَقِيَ فِي غَزَّةَ مَرْفَرِفًا
كَالْكِنْهُورِ رَاعِدًا مُسْتَمْطِرًا… دَمٍ
يَحْمِلُوهُ رِجَالٌ ذُو هِمَمٍ تَسُمُّو الْوَرَى
وأَهْلٌ ذُو كِرَامَةٍ تَسْبِقُ الْعُلَا
فِي دَهْشَةٍ قُلْتُ: مَا أَصَابَكَ قُلْ لِي؟
قَالَ: لِلَّهِ دَرَّكَ أَلَا تَرَى!!؟
وقَدْ وَصَلَ الدَّمُ لِحَدِّ الْثَّرَى
لِي قَوْمٌ أَبَوْا الرُّكُوعَ لِظَالِمٍ
مُتَمَسِّكًا بِالْقُدْسِ بِكُلِّ نَفَسٍ
كَصَارِمٍ مَهَنْدٍ حَازِمٍ
يَأْبَى السُّكُوتَ عَنِ الْحَقِّ، يَهْلَلُ
قُلْتُ: مَاذَا جَرَى بَعْدَ هَذَا الْثَّرَى؟
قَالَ: لِيَ اللَّهُ أَيُّ مَصِيبَةٍ قَدْ أَصْبَحَتْ
عَلَى سَمَاءِ غَزَّةَ أَشْرَقَتْ
تَقطَرُوا مِنْ جِيدِ السَّمَاءِ قَنَابِلَ
أَتَدْرِي عَلَى مَنْ تَقطَرُ؟
قُلْتُ: كَلَّا!
قَالَ: عَلَى أُنَاسٍ مَا أَرَادُوا غَيْرَ حَقِّ أَرْضِهِمْ،
عَلَى أُنَاسٍ… لَا لَا، بَلْ عَلَى أَطْفَالِهِمْ،
كُلُّ هَذَا وَبَقِيَ ثَوْبُ الْعِزِّ هُوَ لُبْسُهُمْ،
قُلْتُ: أَمَا تُحْكِي لِي مَوْقِفًا
يَصْدَعُ فِي قَلْبِ اللِّئِيمِ وَيَجْرَحُ؟
قَالَ وَهُوَ يَبْكِي:
وأَرْمَلَةٌ تَجُوبُ بَيْنَ الْحَطَامِ وَتَصْرُخُ
أَمَةُ اللَّهُ لَا طِفْلَ بَقَى وَلَا الرَّحِمُ
تَجُوبُ لَا تَدْرِي عَلَى مَنْ تَبْكِي
لِلصِّغَارِ أَمْ لِلْأَبِي أَمِ الرَّجُلِ
بَقِيَ مَنْظَرُهَا مَحْفُورًا بِبُؤْبُؤَيَّ
تَتَمَشَّى فَوْقَ بَيْتِهَا بَعْدَ قَصْفٍ،
وتَقُولُ: فِدَاكَ أَوْلَادِي وَوَالِدِي وَأُمِّي
ومُرَبَّعِي وَقُرْبَتِي،
أَمَّةُ اللَّهِ فِي شَمَالِ غَزَّةَ بَاكِيَةٌ
قَدْ أَسْكَبَتْ دَمْعِي مِنَ الْغَمَامِ
مِنَ الْوَرَى مِنَ الرُّخَامِ
تَقُولُ: حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
قُلْتُ: أَمَا عِندَكَ بَعْدَ مَوَاقِفٌ؟
قَالَ: أَلَا يَدْرِي أَخُو الْعَرَبِ عَنْ الْعَرَبِ
أَيْنَ أَنتِ يَا عُرُوبَةُ أَيْنَ أَنتِ؟
أَيْنَ وَقَدْ طَالَ الْقَصْفُ مَتْنِي
أَأَطِيرُ فَوْقَ أَرْضِ الْعِزِّ مُغَرِّدًا
وثُمَّ أَقْبَعُ فِي أَرْضِ الرَّثِّ مَنْبُوذًا؟
لِلَّهِ دَرَّكَ أَيُّ مَوْقِفٍ أَشْرَحُ؟
عَنْ هَذَا الرِّجَالِ لِلْوَرَى تَتَسَابَقُ
عَنْ هَذَا الصُّمُودِ أَمَامَ وَحْشٍ كَاسِرٍ
عَنْ هَذَا الْأَطْفَالِ مِنَ الْمَدَافعِ صَمَّمَ
عَنْ هَذَه الْهَلاَهِلِ عَلَى الشُّهَدَاءِ تَتَعَالَى.
عَنْ ذَا الْبَقَاءِ.
عَنْ ذَا الْكِبْرِيَاءِ.
عَنْ ذَا الْوَفَاءِ.
لِلَّهِ دَرِّي كَيْفَ بِي لَمْ أَمُتْ؟
فَوْقَ نَسَائِمِ أَرْضي وَاحْلِقُ
إِلَى خَالِقِي إِلَى حَبِيبِي
إِلَى رَبِّي…..
مَا بِي أَتَيْتُ لِجَاهِلٍ لَمْ يَعْرِفْ
ولَا حَتَّى خَبَرًا عَنْ أَخِيهِ
ولَا حَتَّى كَلِّفَ.
أَيْنَ الْمَسَاجِدُ الَّتِي تَتَصَرَّفُ؟
أَيْنَ الْمَرَاجِلُ الَّتِي لَا تَرْجُفُ؟
أَيْنَ الْعَرُوبَةُ الَّتِي لَا تَخَفُ؟
أَيْنَ الشَّجَاعَةُ الَّتِي تَتَطرفُ؟
أَيْنَ جَامِعَةُ الْعَرَبِ الْمُتَرَفِّهَةُ؟
لِلَّهِ دَرَّهُمْ جَمِيعًا لَمْ يُوجَدُوا!!
الْأَعَاجِمُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ تَصَرَّفُوا
ورَدُّوا عَلَى قَاتِلٍ مُتعْجِرفٍ
ومَا نُرِيدُ إِلَّا حَقَّ هُدْنَةً
حَقًّ يَجُوبُ لَنَا مَعِيشَةً
حَقٌّ يَحِنُّ إِلَيْنَا
وسَلْمٌ يُرَأْفُ فِينَا
وأَنْتُمْ لِذَا الْحَقِّ لَمْ تَتَحَرَّكُوا
تَبًّى لَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْكَذِبِ
تَبًّى لَكُمْ
أَوْتَتْرَكُونَ إِخْوَانَكُمْ أَمَامَ
نَارٍ تَتَرَقَّعُ
أَمَامَ نَارٍ تَزْمَجِرُ
وتُصَافِحُونَ يَدَ الْبَغِيضِ بِبِسْمَةٍ
وتَتَطَبَّعُونَ لِيُقَالَ عَنْكُمْ نِعْمَةً
كَلَّا ثُمَّ كَلَّا
أَنْتُمْ وَبَاءٌ،
أَنْتُمْ كِلَابٌ كَمِثْلِهِمْ كَرِجْسِهِمْ.
قَالَ الرَّجُلُ:
وذَهَبَتْ عَنْهُ مُطَأْطِئًا رَأْسِي
لَا أَعْلَمُ مَا أَقُولُ لَهُ مَا أَجِدُ
وصَاحَ؛
وقلتُ:
هَذِهِ رِسَالَتِي فَبَلِّغْهَا لِقَوْمِكَ
وأَنِّي لِغَزَّةَ رَاجِعٌ
فَشَوْقِي إِلَيْهَا سَيَقْتُلُنِي
ولَوْ أَصْبَحَتْ هِيَ دَارَ قَتْلِي.
ذهبَ الرجالُ وما بقى غيرُ الجبناءِ