وَجِلاً عَرَفْتُكَ أَوَّلَ الأَحوالِ
كَمَسافَةٍ تَطفو عَلى الأَغْلالِ
ما بَينَ أوَّلِها وآخِرِ نُقْطَةٍ
جَدَلُ الفُصولِ وَقَسوَةُ الأَشكالِ
وَذُبالَةٌ في العَتمِ تَحسَبُ أَنَّها
قَبَسٌ مِن التَّعْجيلِ والإِمهالِ
وَمَرافئٌ جُبِلَتْ بِحَيْرَةِ قادِمٍ
يَأبى الخُضوعَ لِسَطوَةِ الأَنذالِ
يُهدي الفَضاءَ إِقامَةً مَجهولَةً
وَتَراهُ مَفطورًا على التَّرحالِ
مِحرابُهُ الشَّفّافُ يَزرَعُ أَنجُمًا
وَصَلاتُهُ تَسمو على الإِهمالِ
وَنِداؤهُ المَكتومُ سِفرٌ لامعٌ
مُتَزَيِّن بالحُلْمِ والآمالِ
غَدُهُ تَمَزَّقَ في الرِّداءِ تَشَوُّقًا
وَرِداؤهُ عَبَقُ الزَّمانِ الخالي
وَحُضورُهُ رَغمَ الجِراحِ مُهَلِّلاً
فَجرٌ تَفَجَّرَ في الرَّمادِ البالي
مَلَّ السِّهامَ تُصيبهُ في ظَهرِهِ
فَأَحاطَها بِمَوَدَّةٍ وَجَلالِ
هُوَ قائِمٌ كالطَّود يُؤنِسُهُ النَّدى
يُؤوِي السَّكينةَ في وَغى الأَدغالِ
يَتَضَوَّعُ الفُرسانُ مِن أَردانِهِ
كَقَصائِدٍ تَسمو عَلى الأَزجالِ
لِلغارِسينَ عَلى المَفاوزِ صَوتَهمْ
في مَوطِنِ الأَلغازِ والإيغالِ
والزارِعينَ عَلى الشَّعائِرِ حَقَّهُمْ
في عالَم التَّخْنيثِ والأَرذالِ
والنّاشِرينَ عَلى المَفارِقِ بَأسَهُمْ
في ضَيعَةِ الآباءِ والأَنجالِ
يُحيي المَواتَ إذا تَفَرَّقَ شَأنُهمْ
وَيُعَطِّرُ الأَقوالَ بالأَفعالِ
وَيَظَلُّ كالنَّجمِ المُشِعِّ إِذا مَضى
وَيُحيطُ بالآمالِ والأَوجالِ
وَلَكَمْ رَأَيتُكَ والخُطوبُ تَضُمُّني
وَرَجَوْتُ أَن تَنتابَني بِخَيالِ
وَظَننتُ أَنَّكَ غافِلٌ عَن قِصَّتي
وَظَنَنتُ أَني واحِدٌ في الحالِ
يَغتالُني شَبَحُ المَظالِمِ مَرَّةً
وَأَبُورُ بَينَ مَسالِكٍ وَرِمالِ
وَأَحِنُّ، والطَّيفُ البَعيدُ مُخاتِلٌ
يَمضي وَأَمضي في المَدى القَتّالِ
فَدَمَجْتُ في شَوكِ الرَّحيلِ حكايَتي
وَمَضَيتُ بين سَكينَةٍ وَجِدالِ
وَتَبَلَّلتْ بالنَّقصِ كُلُّ طَريقَةٍ
إلا طَريقُك أزهَرَتْ بِكَمالِ
ما بالُ هذا الدَّربِ يَعْرِفُني وَلا
يَتَبَيَّنُ الأَعباءَ في أَحمالي
فَيَمورُ في وَجهِ الحَوادِثِ صارِخًا
وَيَزوغُ عَن أَشلائِنا بِتَعالي
الضِدُّ يَغْرفُ أَوبَتي مِنْ غَفلتي
وَيُؤَوِّلُ المَعروفَ بالتَّسآلِ
وَيَمُدُّني بالصَّمتِ حِينَ أَعافُهُ
وَيَهُدُّني بالقَولِ حينَ أبالي
وَيُضيءُ في الظُّلُماتِ مِثلَ نُجَيْمَةٍ
رَحَلَتْ فَأَورَقَ أفقُها المُتَوالي
صُوَرٌ تَلوحُ وَتَختَفي حَلَقاتُها
مِثلَ الوُجوهِ تَزَيَّنَتْ بِالخالِ
لا أَهْلها ظَلّوا ولا كَلِماتُهُمْ
وَصَفَتْ بَشاعَةَ صُورَةِ المُختالِ
وَمَضَ السَّوادُ عَلى البَياضِ بِخِرْقَةٍ
فَمَضى التَقِيُّ بِسَكْرَةِ المُحتالِ
الزَّهْرُ يُشرِقُ في المَدى مُتَأَلِّها
وَجُذورُهُ تَحبو عَلى الأَوحالِ
الشَّوكُ أصْفَرُ والبَيادِرُ نَفْحَةٌ
والوَجْدُ يُحْرِقُ جَذوَةَ القَوّالِ
نَضَبَتْ شُؤونُكَ في المَراحِلِ تَصطَلي
وَتَضِيعُ في الأَنسابِ والأَنسالِ
لا حَرفَ يَرسُم ما بدا مِن شَأنِهِ
لا صَوتَ يَعْزِفُ رَغْبَةَ المَيّالِ
سِرنا وساروا والنَّدى مُتَضائِلٌ
وَمَفاوِزٌ نَفَرتْ عَلى الأَوصالِ
نَجمٌ يُسابِقُ بَينَ أَفلاكِ الدُّجى
وَكُوَيكِبٌ يَغفو عَلى الأَذيالِ
وَدِيارُنا كانَت لَنا فَتَجَهَّمَتْ
وَدِيارُهُمْ تَجري عَلى الأَنفالِ
قَدْ تَشتَري وَهْمًا بِمالِكَ مَرَّةً
أَمّا الخَلاصُ فَحِكمَةٌ وَمَعالي
كانَ الطَّريقُ مُشَرِّقًا وَمُغَرِّبًا
وَرِمالُهُ شُعَبٌ بِلا مِنوالِ
الشَّيخُ يَنزِفُ في فَضاءٍ جارِحٍ
وَالطِّفْلُ يَركُضُ في المَدار العالي
وَلَقَدْ تَضَرَّجَ بِالدُّموعِ كِلاهُما
فَرَأَى السُّيوفَ بِلَهْفَةِ الخَيّالِ
اليَومَ يَقطَعُها كَأَوَّلِ مَرَّةٍ
وَيَعودُ مُقْتَدِرًا عَلى الأَهوالِ
وَيُزيلُ عَن جَمرِ الغَضا ما قد مَضى
وَيُجَمِّع الأَنوارَ في الأسْمالِ
سَأَبيعُ للأَشواكِ كُلَّ دَقيقَةٍ
وَأَبيعُها زَوّادَتي وَرِحالي
وَأَذوبُ في شَجَنِ الحَبيبِ تَرنّمًا
كَيما أغنِّي جَوهَرَ الأَفعالِ
فالسِّرُّ تَهْمِسُهُ الغَضارَةُ في الضُّحى
وَتُذيبُهُ في مِشْعَلِ الآجالِ
أَيَضيعُ صَوتُكَ والسُّيوفُ طَليقَةٌ
وَسَماؤُها في عالَمِ الإقبالِ
والوَحيُ يَنشُرُ آيةً مِلءَ المَدى
لله والتاريخِ والأَجيالِ
لَمّا اطمأَنَّ القَلبُ أشرَقَ راحِلاً
واللَّيثُ أَسلَمَ ساحةَ الأَشبالِ
والدَّربُ طَوَّقَ وَجهنا بِمَدارِهِ
والتَفَّ حَولَ مَدارجِ الأَطفالِ
فَطَفِقتُ أَسكُبُ أَدمُعي بِطَريقِهمْ
لكِنَّهُمْ سَكَنوا عَلى الأطْلالِ
حَدَقاتُهُمْ شَخَصَتْ وَأَحدَبَ صَوتُهُمْ
في طَيفِ دَهرٍ عابِثٍ بَطّالِ
مِثلَ الرُّسومِ عَلى الحِجارةِ تَمَّحي
وَتَضيعُ في الأسماءِ والأَحوالِ
مَنْ يَغسِلُ الأَيّامَ مِن أوزارِها
إنْ أَخفَقَتْ في صَولَةٍ وَنِزالِ
وَيَقولُ شَيخُكَ والفَضاءُ غَمامَةٌ
لا تَكتَرِثْ مِنْ ضَجَّةٍ وَسِجالِ
ما كُلُّ نازِلَةٍ تُصيبُكَ يا فَتى
تَجتازُها أو تَنتَهي بِوِصالِ
فَاحزِمْ أَمانيكَ العَريضَةَ واتَّئِدْ
وانصِبْ يَمينَكَ رايَةً لِقِتالِ
هذا الطَّريقُ مُزَيَّنٌ بِقُدومِنا
ذاكَ الطَّريقُ مَعارِجُ الأَبطالِ
الرّوحُ في شُعَبِ المَسالكِ دَوْحَةٌ
تَأبى البَقاءَ مَطيَّةً لِضَلالِ
سَأَبيعُ للأَهوالِ كُلَّ مراكبي
وَأقَطِّعُ الأَميالَ بالأَميالِ
وَأَصونُ لَيلَكَتي الفَريدَةَ كُلَّما
هَبَّتْ عَليها حَمْلَةٌ بِهُزالِ
يَروي المُريدُ بِقَيدِه نَفَضَ الهَوا
فَأَبانَ عَنْ تَعويذَةِ الإِذهالِ
وَتَرنَّحَ الماضون في فَيضِ الرُّؤى
لِيكَركِرَ الأَطفالُ بالأَمثالِ
فَالوردةُ الحَمراءُ يَعرِفُها النَّدى
مِثلَ الدِّماءِ تُضيءُ بالإِجفالِ
بابٌ تَخاطَرَ في عُيونِكَ فَارتَحِلْ
صَوبَ الخُلودِ مُخَفَّفَ الأَثقالِ
وَليَبْقَ مَنْ خانوكَ في ظُلُماتِهم
نَظَرُ الزَّواحِفِ يَلتَقي بِنِعالِ
قَدْ تَشتَري وَهْمًا بِمالِكَ مَرَّةً
أَمّا الطَّريقُ فَحِكْمَةٌ ومعالي