تخطَّ إلى المحتوى

ألا إن صنعاء القديمة تستبي

غير معروف

٤٠ بيت

المتفرقات

أَلا إِنَّ صَنعاءَ القَديمَةَ تَستَبي

فُؤادي وَتَجتاحُ الحَشا بِتَقَلُّبِ

وَشَوقي لَها ما بَينَ أجدَبٍ هالِكٍ

وما بَينَ نَبضٍ في السَّرادِقِ يختبء

كَأَنَّ مُتونَ الأرضِ مِنها رَكائِزٌ

بِصَنعاءَ نُصِبَتْ حينَ يُجمِلُ كَوكَبِي

تَعلَّقَتْ روحي في الحديثِ فأشرَقَتْ

بِروحٍ لِذِكرَاكِ مُسِنٍّ بِكَ أَبِي

وَإِنّي لَأشعُرُ حينَ أُقبِلُ نَحوَكِ

أمانًا كَما لو أَنَّ روحَكِ مِن أَبِي

تَراءَت كَناقَةِ البَكرِ في عَزمِ سَيرِها

تُجاذِبُ أَطرافَ الزِّمامِ المُذَهَّبِ

وَأشْقَرُ مَحْبُوكٍ تَخَضَّبَ أَبيَضًا

وَتَلْبَسُ حِلَّتَها بِعِزٍّ وَمَكْسَبِ

وَقِبّابُها مِثلُ النُّجومِ تَلألَأَت

عَلى صَفحَةِ اللَّيلِ البَهيمِ المُغَيَّبِ

لِتَجعَلَ لِلَّيلِ البَهيمِ مآمِنًا

وَتَزرَعَ فِي الأَكنافِ بَعضَ التَّقَلُّبِ

تُقبِّلُ أَطرافَ السَّحابِ قِبابَها

كَرُمحٍ يُلامِسُ وَجهَ دِرعٍ مُنقَّبِ

فَتَمشِي السَّحابُ وَدَمعُها مُتَهَاطِلٌ

لَها ذِكرياتُ الحُبِّ رَغمَ التَّغَيُّبِ

وَأَسواقُها كَالرَّوضِ يَفتَحُ زَهرَهُ

وَيَنشُرُ عِطراً في الصَّباحِ المُطَيَّبِ

لِتَشهَدَ أَنَّ الكَونَ ما زالَ قائِمًا

عَلى روحِها ريحًا يُعانِقُ أَطْيَبِي

أَرى فِي زِحامِ البَابِ شِعرًا قَصَدتُهُ

لِأَرقَى رُقِيَّ الحاكِمِ المُتَطَيِّبِ

وَدورٌ عَتيقاتٌ كَأَنَّ جِدارَها

صَحائِفُ تاريخٍ بِخَطٍّ مُذَهَّبِ

نُقوشٌ بِحَدِّ السَّيفِ خُطَّتْ وَأَزْهَرَتْ

وَأَصْبَحْتُ فِيهَا عاشِقًا حِينَ مَكْرَبِي

تُناغي حَماماتُ الضُّحى في رُبوعِها

كَما ناحَ قَيسٌ في الفِراقِ المُعَذَّبِ

وَأَعْشَقُ دارًا فِي رُبَاهَا لَهُ بَنَا

بِنَاءً وَفِي الأَكْبَادِ وَضَعَ بِتَطَنُّبِ

وَكَم مِن لَيالٍ في حِمى بابِ اليَمَنِ

سَكِرنا بِها مِن غَيرِ خَمرٍ وَمَشرَبِ

جَمالُكَ لا يُذهِبُ مِنَ الرُّشدِ ساعَةً

وَلَكِنَّهُ يَسْبِي العُقولَ لِيَجْتَبِي

كَأَنَّ جِبلَ ردفان يحرُسُ أَهلَها

كَما حَرَسَت عَنقاءُ عُشَّ المُخَضَّبِ

وَيا كَم تَعَطَّرَ بالبُنِّ صَباحُها

فَأَذكى شَذاهُ في النَّسيمِ المُطَنَّبِ

سَلامٌ عَلى صَنعاءَ مِني مُتَيَّمٍ

يُعانِقُ ذِكراها بِقَلبٍ مُعَذَّبِ

وَيَحمِلُ في الأَحشاءِ شَوقاً كَجَمرَةٍ

تُضيءُ لَهُ في اللَّيلِ دَربَ التَّغَرُّبِ

فَيا لَيتَ شِعري هَل أَعودُ لِرَبعِها

وَأَلثِمُ تُرباً مِن ثَراها المُطَيَّبِ

وَأَمشي بِأَزقَتِها العَتيقَةِ هائِماً

أُعانِقُ أَحجاراً بِرُكنٍ مُشَذَّبِ

وَأَشرَبُ مِن ماءِ السَّبيلِ مُنَعَّماً

كَما شَرِبَت وُرقُ الحَمامِ المُخَصَّبِ

وَأَصعَدُ نَحوَ القَصرِ أَنشُدُ عِزَّةً

تُذَكِّرُني بِالمَجدِ عِندَ التَّقَلُّبِ

وَأَسمَعُ في الأَسواقِ صَوتَ تُجارِها

يُنادونَ بِالأَرزاقِ صَوتَ المُجَرِّبِ

كَأَنَّ تَفَاصِيلَ الحَدِيثِ عِبَاءَةٌ

تُلْبِسُهَا صَنْعَاءُ بَعْضَ التَّطَيُّبِ

وَفي جامِعِ الأَبرارِ أَسجُدُ خاشِعاً

أُناجي إِلَهي في خُشوعٍ وَأَطلُبِ

وَأَلمَحُ في البُستانِ عِطرَ رَياحِها

وَأَشجارَ عنبٍ في الظَّلامِ المُغَيَّبِ

تَشَعْشَعَ مِنْهَا النُّورُ نُورًا كَأَنَّه

عَلَى الأَرْضِ شَمْسٌ تَحْتَفِي كُلَّ مَسْكَبِ

فَيا صَنعَةَ الأَمجادِ كَم مِن مَحَبَّةٍ

أُكِنُّ لَها في خافِقي المُتَعَصِّبِ

سَأَبقى أُناجيكِ الحَنينَ وَإِن نَأَت

مَسافاتُ دَربي في الزَّمانِ المُقَلِّبِ

وَأَحمِلُ في قَلبي هَواكِ قَصيدَةً

تُرَدِّدُها الأَيّامُ صَوتَ المُحَبِّبِ

وَإِن باعَدَ الرَّحمنُ بَيني وَبَينَكِ

فَإِنَّ فُؤادي في هَواها مُعَذْبِي

سَتَبقي لَنا صَنعاءُ أَجمَلَ مَوطِنٍ

وَأَكرَمَ دارٍ في الزَّمانِ المُجَرِّبِ

فَصُونِي بَقَايَايَ بِأَرْكَانٍ قَدْ خَلَتْ

كَمَا حَفِظَتْ رُوحِي زَوَايَاكِ فِي صِبًى

فَمَا نَزَلَتْ صَنْعَاءُ ذَكْرَ وَمَا أَتَتْ

إِلَّا وَتَرَكَتْ مِنْ هَوَاهَا الْمُحَبَّبِ