شَمْسٌ مِنَ البِيضِ بِالهِجْرانِ تُودِينِي
يُمِيتُنِي هَجْرُها وَالوَصْلُ يُحْيِينِي
أَهْنا الحَياةِ إِذا قارَبْتُها وَلَقَدْ
أَرَى الشَّقَا فِي حَياتِي إِذْ تُجافِينِي
فَسَهْمُ أَعْيُنِها فِي القَلْبِ يُؤْلِمُنِي
ورِيقُ مَبْسِمِها فِي الرَّشْفِ يَشْفِينِي
كأَنَّ رِيقَتَها مِنْ بَعْدِ رَقْدَتِها
ماءُ الغَمامِ ثَوَى فِي بِنْتِ زَرْجُونِ
يا عاذِلِي فِي هَواها لَوْ يُصِيبُكَ ما
لَقِيتُ أَشْجاكَ ما قَدْ كانَ يَشْجُونِي
أَوْ كُنْتَ قاسَمْتَنِي كأْسَ الصَّبابَةِ مِنْ
وجْدٍ لأَبْكاكَ ما قَدْ كانَ يُبْكِينِي
تَلُومُنِي أَنْتَ جَهْلاً فِي الغَرامِ وَما
سَمْعِي يَعِي ما بِهِ قَدْ كُنْتَ تَلْحِينِي
وكَيْفَ أَفْهَمُ ما صَرَّحْتَ مِنْ عَذَلٍ
وفِي ضَمِيرِي هَوَى سُعْدَى يُناجِينِي
وما مَقالَةُ سالٍ عِنْدَ مُكْتَئِبٍ
وما مَلامَةُ خالٍ عِنْدَ مَحْزُونِ
لَوْلا الهَوَى ما غَدا المَجْنُونُ يَغْزَلُ فِي
لَيْلَى وَلا كانَ مِنْ لَيْلَى بِمَجْنُونِ
أَنا العَلِيلُ وَلَكِنْ لَمْ أَجِدْ أَبَداً
لِي غَيْرَها مِنْ طَبِيبٍ لِي يُداوِينِي
لَوْ طُورُ سيناءَ يَلْقَى ما تأَوَّبَنِي
لانْدَكَّ مِمَّا أُلاقِي طُورُ سِينِينِ
يا حَبَّذا أَرْضُ يَبْرِينٍ وَساكِنُها
وحَبَّذا ما أَتَى مِنْ أَرْضِ يَبْرِينِ
وحَبَّذا نَفْحَةٌ جاءَ النَّسِيمُ بِها
يُهْدِي إِلَيْنا عِباراتِ الرَّياحِينِ
يُهْدِي أَرِيجَ الخُزامَى وَالعَرارَ لَنا
ونَحْنُ فِي ظِلِّ عَيْشٍ غَيْرِ مَمْنُونِ
والجَوُّ صاحِيَةٌ وَالغُدْرُ طافِحَةٌ
ورائِقُ الرَّوْضِ مُهْتَزُّ الأَفانِينِ
والشَّمْسُ مُلْقِيَةٌ ثَوْبَ البَهاءِ عَلَى
نَوْرٍ مِنَ الرَّوْضِ غِبَّ الغَيْثِ مَدْجُونِ
والطَّلُّ فِي أَعْيُنِ الأَزْهارِ مُجْتَمِعٌ
كالدَّمْعِ مُجْتَمِعٌ فِي أَعْيُنِ العِينِ
وساجِداتٍ قَطَعْنَ المَجْهَلاتِ بِنا
غُرْثٌ حَقائِبُها صُهْبُ العَثانِينِ
يَحْمِلْنَ دُرَّ قَرِيضٍ جَلَّ ذلِكَ عَنْ
دُرٍّ نَفِيسٍ مِنَ الأَصْدافِ مَكْنُونِ
حَتَّى قَدِمْنَ بِنا بَعْدَ الكَلالِ عَلَى
أَعَزَّ أَرْوَعَ زاكِي الوَجْهِ مَيْمُونِ
عَلَى المُظَفَّرِ فانْهَلَّتْ سَحائِبُهُ
بِالمَكْرُماتِ وَلَمْ يَضْنَنْ بِمَضْنُونِ
صانَ المَمالِكَ عَدْلاً فِي سِياسَتِهِ
حَتَّى بَدا العَدْلُ مِنْهُ بِالبَراهِينِ
كأَنَّ أَخْلاقَهُ مِنْ جَوْهَرٍ خُلِقَتْ
والنَّاسُ قَدْ خُلِقُوا مِنْ لازِبِ الطِّينِ
بِهِ يَنالُ المَعالِي كُلُّ ذِي شُطَبٍ
وكُلُّ سَرْدٍ مِنَ الماذِيِّ مَوضُونِ
كَمْ فِي الوَغَى جَدَّلَ الأَعْدا بِصارِمِهِ
كأَنَّهُ حَيْدَرٌ فِي يَوْمِ صِفِّينِ
تاجُ المَفاخِرِ طَلاَّعُ المَنابِرِ
غَفَّارُ الجَرايِرِ سُلْطانُ السَّلاطِينِ
يا مَنْ شأَى وَتَناهَى طَلْقُ غايَتِهِ
مَيْدانُهُ سابِقٌ شَأْوَ المَيادِينِ
إِنْ أَنْتَ جارَيْتَ أَمْلاكَ البِلادِ عُلاً
كُنْتَ الجَوادَ وَكانُوا كالبَراذِينِ
إِنْ كُنْتَ أَنْفَقْتَ ما تَحْوِيهِ مِنْ سَبَدٍ
فَانْعَمْ فَما أَنْتَ فِي العَلْيا بِمَغْبُونِ
هَلْ يُشْبِهُ البَحْرَ فِي تَيَّارِهِ وَشَلٌ
أَمْ الأَباغِثُ شِبْهٌ لِلشَّياهِينِ
يا كَعْبَةَ الوَفْدِ يا فَرْدَ الزَّمانِ وَيا
تاجَ المَعالِي وَيا غَيْثَ المَساكِينِ
يا باذِلَ المالِ صَوْناً غَيْرَ مُنْهَتَكٍ
هُنِّيتَ صَوْناً لِعِرْضٍ قَيِّمِ الدِّينِ
كَمْ مُتْرَفٍ مالُهُ يَأْوِي خَزائِنَهُ
وأَنْتَ مالُكَ مُلْقىً غَيْرُ مَخْزُونِ
فَما يَنالُ العُلا وَالمَجْدَ مُحْتَرِصٌ
إِلاَّ كَما تُنْكَحُ العَذْرا بِعِنِّينِ
ولا يَزِينُ الفَتَى مالٌ يَحُوطُ بِهِ
بُخْلٌ وَلَو كانَ يَحْوِي مالَ قارُونِ