مَن ذا أتى بِكِ دونما خَبَرِ
كي تُوقِدي ناراً بِلا شَرَرِ
قدْ جُزتُ مَرحَلةَ الصّبا وَمَضَتْ
لمْ يبقَ مِنها غَيرَ مُنحَدَرِ
هلْ جِئتِ حبّاً في مُسامَرَتي
أمْ أنتِ مَصيدةٌ بِها قَدَري
يا ومضَ خَاطِرةٍ أتَتْ نَغَماً
مَن ذا الذي أوْحاهُ في وَتَري
ذِكرى؟ ولكنْ بِتُّ أُدرِكُها
هيَ واقعٌ ما كانَ مِن ذِكَرِ
حَاولتُ أنْ أنسى مَلامِحَها
بَعدَ التَّردُّدِ خَانَني نَظَري
ياوَيحَ قلبي ما يُرادُ بِهِ
قد ضَاعَ بينَ مَرافئ السَّفَرِ
واحَسرتيَ على الزَّمانِ مَضى
ونَدامَتي كمْ فاتَ مِن دَهَرِ
كيفَ التقَينا دُونَ مَعرفَةٍ
كمْ كانَ حَدْسُكِ ثاقبَ البَصَرِ
أرْدَيتِ كهلاً في صَبابَتِهِ
فَجَنى بها ذَنباً وكانَ بَري
أدركتُ كيفَ عَواطِفي احْتدَمَتْ
وتَشَعّبَتْ بطريقِها الوَعِرِ
مازلتُ في دُنيا الشّبابِ فَتىً
رُغمَ الذي أمضَيتُ مِن عُمُري
لو كانَ قلبي بالهوى هَرِماً
ما قالَ شِعراً رَائعَ الصُّوَرِ
في كُلِّ عاطِفةٍ وتَجرِبَةٍ
يَزدادُ بالخَفَقَانِ والهَدَرِ
كمْ أرقَصَتْ نَغَمَاتُ أُغنيتي
مِن غَادَةٍ وتَلوَّنَتْ فِكَري
والشَّوقُ حَلَّقَ في رُؤايَ مَدىً
حتّى بَلغتُ عَوالمَ الأُخَرِ
الأربَعونَ: وما لمَحتُ بِها
مِن كُلِّ زَهْرٍ عَابِقٍٍ عَطِرِ
النَّهدُ تأسُرُني مَفاتنُهُ
والخَصرُ يأمُرُني أنِِ انْتَظِرِ
فَكَأنَّ حُسنَكِ لا حُدودَ لهُ
وكَأنَّ قلبي ضَلَّ عَن جُزُري
تَمَّتْ فما انْتَقَصَتْ بِقامَتِها
طولاً ولا تَشكو مِنَ القِصَرِ
نوراً وناراً في تَقلبِها
لا تَأْلُ مِن غَيَرٍ إلى غَيَرِ
فاحْتَرتُ مِن أنْسي وخَوفِ غَدٍ
ماذا يُخبِّئُ فيكِ مِن خَطَرِ
خمسونَ مَرَّتْ في مُعارَكتي
ما زلتُ مِن ظَفَرٍ إلى ظَفَرِ
يَبقى رَبيعُ العُمرِ مُؤتلِقاً
بالقلبِ مَهما زادَ مِن كِبَرِ
كيفَ اهْتَديتِ إليَّ طَالِبةً
وِدّي ومَن أنباكِ عَن خَبَري
تَتَساءلينَ وأنتِ عَارِفةٌ
قَصدي وَما أبغيهِ مِن وَطَرِ
الخَوفُ مِنكِ بَدا يُطارِدُني
مَهما ابْتعدتُ يَجُدُّ في أثَري
ما ذَنبُ قلبي عندَ مِحنَتِهِ
تَزدادُ جُرأتُهُ بِلا حَذَرِ
قاومتُ حَتّى فُتَّ في عَضُدي
ورَمَيتُ أسلِحَتي لمنتَصِرِ
أنا ما ارْتَكبتُ خَطيئةً بِيدي
تَكبو الرّجالُ بموقِفٍ عَسِرِ
إنْ نِلتِ منّي إثمَ فاحِشَةٍ
فَتَذَكَّري مَن قُدَّ مِن دُبُرِ
مَهما أسَرَّ القلبُ مِن وَلَهٍ
تبدو حَقيقتُهُ لِذي بَصَرِ
ما سِرُّ نَظرتِها إذا اتَّجَهَتْ
نَحوي وطالَ معَ الهوى سَهَري
كيفَ الوصولُ إليكِ يا أمَلي
وخَريطَتي صارتْ بِلا أُطُرِ
أأسيرُ في تِيهي بِلا هَدَفٍ
يُرجى وأترُكُها لِمنتَظِرِ
كَلاّ وكلاّ لن أبوحَ بِها
لو ذُقتُ مِنها حَنظلَ الكَدَرِ
عِشقٌ بِلا وَصْلٍ وتَضْحِيةٍ
يبقى كَآنِيَةٍ مِن الحَجَرِ
إنْ كُنتِ قاضيةً وعادِلةً
لاحُكمَ غيرَ شَريعةِ الغَجَرِ
فالحُبُّ عِندهُمُ مُعادَلةٌ
أنثى وما تَختارُ مِن ذَكَرِ
أو كُنتِ ظالمةً فَلا حَرَجٌ
إنّي قَبِلتُ بمنطِقِ التَّتَرِ
قيدٌ يُكَبِّلُنا بقَسوتِهِ
ونَموتُ بينَ مَخالبِ البَشَرِ
فَكَفى بأنّي نِلتُ أمنيةً
أطفأتُ فيها قلبَ مُستَعِرِ
شَكوى أُقَدمُها وأنتِ بِها
خَصمي وقاضِيَتي فَيا عَثَري
إن كنتِ غاضِبةً وساخِطَةً
مِنّي فلا تُبقى ولا تَذَري
أبديتُ ما أُخفي بِلا وَجَلٍ
ما شِئتِ صادِقةً بهِ ابْتَدِري
أو كنتِ راضيةً هنا اقْترحي
مِن أينَ نَبدأ آخِرَ السّفَرِ