سارَ وحيدًا، ما له ناصرُ
يدفعه شعورُه الزاخرُ
لاهٍ عن الدنيا ولذّاتِها
يشغله وجدانُه الثائر
موزَّعُ الفكر، بعيدُ المنى
حليفُ همٍّ، ما له آخر
قد عرف الدنيا وأهوالَها
فلم يَرُعْه فَمُها الفاغر
ولم يفلَّ الخطبُ من حدِّه
وقد تمادى حظُّه العاثِر
بدا له الكونُ بلا حاجبٍ
وانزاح عَنْهُ دونه السَّاتِر
فأدرك الحقّ جليَّ السنا
وعبّ منه قلبُه الحائر
وذاق بعد الشكِّ بَرْدَ الهُدَى
وكان قبلاً وجْده فاتر
يدعو إلى الحقِّ جميعَ الورى
ومشْرَع الحق له ظاهر
يهيبُ بالناس هذا الهُدَى
أمَا استباكمْ نورُه الباهر
فأين منكم فِطَرٌ أخلصتْ
يطير للحقِّ بها طائر؟
فاخشوا هوى الدنيا فَقَدْ ينطلي
على كثيرٍ طبْعُها الماكر
كم مزجتْ بالسمِّ كأس المنى
يَفْتَرُّ عنها ثغرُها الساحر!
وكم بدت في ملمسٍ ناعمٍ
وخلفه نابٌ لها كاسر!
محمومة الأحشاء لا يرتوي
من الضحايا حقدُها الغائر
يا ويحَه من دائبٍ ناصبٍ
أزرى به زمانُه الغادر
أزعجه أنَّ الورى كالقطا
إلى المهاوي قَفْلُها سائر
فحاولَ الإصلاحَ في قومه
فصدَّهم عنه هوًى آمر
وذاق فيهم غربةً مرَّةً
أَحسَّها فؤادهُ الذاكر
فإنْ شكا الحرمانَ في دهره
وإن جفاه جيله السادر
فَقَدْ شَكا شقوته مُصْلِحٌ
من قبْلِه وذاقَها الشَّاعِر