بما مَيَّزَ اللهُ بينَ البَرَايَا
لُجَيناً مِنَ الغِيدِ بينَ الصَّبَايَا
تَهَادَتْ فَمَا بالُهَا مَا استَقَرَّتْ
كَمَوْجِ الضُّحَى بينَ تِلْكَ الثَّنَايَا
تَهَادَتْ وَرِيحٌ مِنَ القَرِّ مَرَّتْ
فَطَلَّ الَّذِي خَلْفَ تِلْكَ العَبَايَه
فَلَيْتَ الَّذِي سَاقَ عَيْنِي إِلَيْهِ
يُعِيدُ مضى الوقت نَحْوَ البِدَايَه
فَمَا أَثْقَلًا مَا رَأَيْتُ لِنَفْسٍ
تَرَبَّى شَذَى قَلْبِهَا بِالهِدَايَه
كَأَنَّهُ ذَا مِنَ خُسُوفٍ تَجَلَّى
وَطَلَّ سَنَا بَدْرِهِ فِي النِّهَايَه
تَلَوَّتْ بِجِذْعٍ طَوِيلٍ كَالنَّخْلِ
وَفِي لَبِّهَا مِنْ صَدَى النَّفْسِ غَايَه
كَأَنَّ الجَمَالَ الَّذِي اسْتُنْبِتَتْهُ
لَفِي كُلِّ فَرْعٍ يُجَسِّدُ آيَه
فَحَتَّى التَّقِيُّ الَّذِي عَفَّ نَفْسًا
أَمَامَ الجَمَالِ غَوَتْهُ النِّوايا
يَعُودُ وَقَدْ جُنْدِلَتْهُ العُيُونُ
أَسِيرًا وَفِي صَدْرِهِ أَلْفُ رَايَه
عَسِيرٌ عَلَى العَقْلِ أَنْ يَسْتَفِيقَ
وَرَجْسٌ مِنَ النَّفْسِ بَيْنَ الحَنَايَا
إِذَا مَا رَأَى الحُسْنَ قَلْبٌ فَصَلِّي
عَلَى العَقْلِ وَاذْكُرْ لَهُ مِنْ سَجَايَا
فَذَا الحُسْنُ مِنْهَا غَزِيرٌ كَبَحْرٍ
وَمَنْ يَمْخُرُ المَوْجَ يَلْقَى العَطَايَا
وَمَا أَتْعَسَ الحُبًّ حِينَ يُسًجَّى
عَلَى سًكْرَةِ المَوْتِ بَيْنَ الرَّزَايَا
فَلَا يَضْفَرَنَّ بِصَحْوٍ مُحِبٌّ
عَلَى صَهْوَةٍ مِنْ صَهِيلِ المَنَايَا
فَذَا يَكْفِهِ الفَخْرُ بِالنَّفْسِ ضَحَّى
وَعَطَّرَ بِالفَخْرِ خَتَمَ الرِّوَايَه
لَصَعْبٌ عَلَى المَرْءِ فِي الحُبِّ صَبْرٌ
وَأَصْعَبُ إنْ مَاسْتُثِير انْتِظَارَا
لِيَنْهَالَ طَرْفُ النَّوَاعِسِ إِنِّي
عَلَى الرَّمْشِ مِنْهُ أَقَلُّ اصْطِبَارًا
لَهِيبٌ لِخَضْرَاءِ دَمْنٍ تَلَظَّى
فَأَلْهَبَ فِي الصَّدْرِ بِالنَّأْيِ نَارا
فَجِسْمٌ يَمُرُّ كَضَبْيٍ يَفِرُّ
وَسَهْمُ العُيُونِ يَغُزُّو مِرَارَا
تَمُرُّ وَتُرْخِي دَلَالًا وَقَلْبٌ
يَكادُ مِنَ اللَّفْحِ أَنْ يُسْتَنَارَا
دَعَانِي بِطَرْفٍ فَلَمْ يَسْتَشِرْنِي
فَنَالَ الهَوَى عِفَّتِي وَاسْتَعَارَا
فَهَلْ لِي بِسُلْطَانِ عَقْلٍ يَقِينِي
فَمَا لِي عَلَى الصِّدِّ مِنْهُ اقْتِدَارًا
وَمَا زَالَ يُفْشِي بِحُسْنٍ وَيَمْشِي
هَنِيهاً رَآى عَثْرَتِي فَاسْتَدَارَا
وَمَا أإِنْ دَنَا قَدْ تَلَعْثَمَ ثَغْرِي
وَذَابَ اللَّهَى فِي هَوَاهُ إِنْبِهَارَا
وَقَدْ أَظْلَمَ النَّحْوُ وَالصَّرْفُ مِنِّي
فَصَارَا الدَّجَى دَأْبُهُ فَاسْتَجَارَا
فَذَا انْشَقَّ مِنْ ثَغْرِهِ اللَّازَورْدِ
شَقِيقٌ مِنَ الدُّرِّ أَوْ جُلَّنَارا
فَثَارَ يَلِي مِنْ شَهِيقٍ بَرِيقٌ
يَلِيهِ زَفِيرٌ تَلَأْلَاَ تَارَا
فَكَانَ بِهِ العَقْلُ أَنْ صَارَ مَاضٍ
فَهَلْ يَمْلِكُ القَلْبُ بَعْدَ الخِيَارَا
فَمِثْلِي ضَعِيفٌ إِذَا مَا سْتَمَالَتْ
فَلَا بَابُ يُنْجِي إِنِ القَلْبُ ثَارَا
فَكَانَ لِيُوسًفَ رَبٌّ كَرِيمٌ
فَأَنْجَاهُ مِمَّنْ أَمَاطَتْ إِزَارا
فَذَا رَاوَدَتْهُ إِلَى الفُسْقِ يَوْمًا
زُلَيْخَا فَعَفَّ عَنْ الرَّجْسِ عَارا
فَلَسْتُ العَفِيفَ الَّذِي صَانَ نَفْسًا
وَكَسَّرَ بِالعَقْلِ قَيْدَ العَذَارَى
فَذَا قَبْلَ دَارٍ دَخَلْتُ فُؤَاداً
كَأَنِّي كَمَا الأَهْلُ قُرْبًا وَجَارَا
لَسَارَ المَرَامُ إِلَيْهَا كَأَنِّي
أَسِيرٌ إِلَيْهَا يَفِرُّ فِرَارَا
عَظِيمٌ لَهُ الفَضْلُ مِنْ أَكْرَمَكْ
وَمَنْ سَدَّدَ الدَّرْبَ فِي مَعَلَمِكْ
كَفَى خِصْلَةٌ فِيكَ أَنَّ الحَنَانَ
يَخِرُّو حَيَاءاً إِذَا قَابَلَكْ
فَمَهْمَا الفَوَانِيسُ ضَاعَتْ تَعُودُ
تَزَاوُرُ بِالْحُبِّ فِي مَعْبَدِكْ
وَمَهْمَا الَّذِي ارْتَدَّ فِي الحُبِّ مَاضٍ
تَعُودُ أَحَاسِيسُهُ تَعْبُدُكْ
فَمَا أَرْوَعُ الثَّغْرَ حِينَ تُغَنِّي
تَلَافِيفُ خَدَّيهِ فِي مَبْسَمِكْ
فَتَمْتَصُّ مِنْهُ الشِّفَاهُ العَبِيرَ
وَتَفْتَضُّ شَهْدَ الرُّوَى مِنْ فَمِكْ
فَحَظُّ المحبَّةِ هَٰذَا الوجودُ
وَخَطُّ الهوى مِنْهُ ذَا مَرْجِعُكْ
وَأَيٌّ مِنْ السَّيْلِ جَفْنَيكِ غَيْثٌ
وَإِنْ جَفَّ يَسْقِيهِ مِنْ مَنْبَعِكْ
لَقَدْ صَادَنِي وَالْقُيُودُ أَشْرَأَبَّتْ
عَلَى عَاشِقٍ خَاضَ نَفْسَ المسِير
وَأَمْرِي إِلَى اللهِ أَنْ قَادَنِي
إِلَى نَشْوَةٍ فِي هَوَاهَا القَصِيرْ
فَأَزْدَادُ مِنْهَا عَلَى ظُلْمَتِي
شَقَاءاً وَأَهْوَاؤُهَا تَسْتَثِيرْ
كَأَنِّي بِرُكْنِ الهوى شَمْعَةٌ
ذَوي فَتْلُهَا لِلْمَقَامِ الأَخِيرِ
وَمَا نَفَعُهَا وَالْمَصَابِيحُ حَلَّتْ
تُضَحِّي سُدَى وَالضِّيَاءُ كَثِيرْ
وَزَيْفٌ تَجَلَّى بِأَصْوَانِ طَرْفٍ
وَأَلْوَانُ طَيْفٍ بِهِ تَسْتَجِيرْ
أَغِيثُوا الَّذِي نَالَ وَخْزاً بِشَوْكٍ
فَمَا ذَنْبُ مُسْتَنْشِقٍ لِلْعَبِيرْ
وَمَا ذَنْبُ ذُوَّاقٍ حُسْنٍ تَغَنَّى
وَأَعْطَاهُ وحيُّ البَيَانِ الخَرِيرْ
إِلَى مَنْ ذَوَى الحُسْنُ يَرْنُو إِلَيْهَا
فَبُشْرَى إِلَى الوَرْدِ قَطْفُ الحَيَاءْ
فَمَا أَبْهَجَ القَلْبَ وَالعَيْنُ تَرْوِي
فُصُولًا بِوَاحَاتِهَا نَبْعُ مَاء
وَأَوْلَى مِنَ الحُبِّ أَنْ يُعْتَلَي
عَلَى سُلَّمِ الأَخْذِ لَحْنُ العَطَاءْ
وَمَا مَنْ بَلَانِي بِفَقْرٍ ليُغْنِي
وَيَخْسِفُ مِنْ ثَرْوَةٍ كِبْرِيَاء
غَنِيٌّ فَقِيرٌ إِلَى اللهِ رِزْقٌ
وبَيْنَهُمَا حِكْمَةٌ وَابْتِلَاء
فَأَحْلَامُنَا قَيْدَ شِبْرٍ تَلَاشَتْ
فَلَنْ يَبْرَحَ الحُلْمُ ذَاتَ الإِنَاءْ
دَوَامٌ لِرَغْدٍ لَفِي العَيْشِ فَانٍ
وَعِيشُ القَنَاعَةِ صَعْبُ الفَنَاءْ
وَلَا يُشْتَرَى الحُبُّ بِالْمَالِ قَطُّ
وَلَيْسَ مِنَ الحُبِّ جِنْسُ البَغَاءْ
وَلَحْنٌ مِنَ النَّبْضِ صَارَ يُغَنِّي
عَلَى صَوْتِ خِلْخَالِهَا بَيْتَ شِعْرْ
وَمَنْ لَا يُغَنِّي إِذَا الحُسْنُ بَانَ
وَمَنْ لَا يُمَنِّي الهَوَى بِالنَّظَرْ
جَمِيلٌ مِنَ الحُسْنِ فِيهِ التَّمَنِّي
وَدَكُّ الخِيَالَ بِمَا قَدْ ظَهَرْ
وَأَجْمَلُ مِنْ ذَا وَذَاكَ وُلُوجٌ
إِلَى رَوْضَةٍ وَاقْتِطَافُ الثَّمَر
وَلَمَّا غَدَوْنَا وَشَيْطَانُنَا
عَلَى بَاحَةٍ تَحْتَ ضَوْءِ القَمَرْ
فَبَاحَتْ لِقَلْبِي بِمَا سَرَّ عَقْلِي
غَدَاةَ رَأَى ثَغْرَهَا قَدْ سَفَرْ
فَنِصْفُ خِيَالِي وَنِصْفُ خِصَالِي
فَمَا لَسْتُ إِلَّا بِهَا أَفْتَخِرْ
وَمَنْ يَشْتَرِي فِي النَّوَائِبِ قَلْبِي
أَحْنًّ الوَرَى وَأَعَزُّ البَشَرْ
وَمَا نَفَعُ قَلْبٍ تَغَذَّى بِقَرٍ
وَوَهْمُ المَنَافِعِ ذَا مُسْتَعِرْ
وَمَا إن غدتْ ذا مَرَاسِيلُ عَيْنِي
أَتَى الجَفْنُ فِي غَمْضَةٍ بِالْخَبَرْ
فبَاحَ الكِتَابُ بِمَا كَانَ سِرًّا
وَمَا كَانَ بَيْنَ الأَنَا مُسْتَتِرْ
وَمَا زِلْتُ أَنْهَلُ مِنْهُ الَّذِي
أَرَى فِيهِ أَعْيُنَنَا تَنْصَهِرْ
فَفَاضَ بِهِ الحِبْرُ حَتَّى ارْتَوَيْنَا
وَفَاضَ بِهِ الوَحْيُ حَتَّى انْفَجَرْ
فَلَمَّا اكْتَفَى السَّطْرُ مِنْ مُقَلَتَيْهِ
تَرَاءَتْ بِهِ صَفَحَاتٌ أُخَرْ
فَتِلْكَ الَّتِي أَبْتَغِي سِحْرَهَا
لِتِلْكَ الَّتِي فِي الْمَقَامِ الأَغَرْ
لَأَظْفَرٌ فِي خَتْمَةٍ مِنْهُ جُزْءًا
بِفَيْضِ البَيَانِ وَرَسْمِ الصُّور
أَقَبِّلُ فِيهِ الظَّلَامُ بِنُورٍ
وَامْتَصُّ مِنْهُ النَّدَى وَالْمَطَرْ
فَتَاللَّهِ تَاهَ الصَّوَابُ وَأَبْلَى
لِيَكْتُبَ مِنْ لَذَّةٍ مَا خَطَرْ
فَأَمَّا الخَمَائِلُ بَيْتُ القَصِيدِ
وَأَمَّا الرَّسَائِلُ غُصْنُ الشَّجَرْ
عَلَى رَبْوَةٍ مِنْهُ وَادٍ عَمِيقٌ
عَتِيقٌ كَإِسْتَبْرَقٍ مَنْدَثِرْ
وَمَا يَنْفَعُ الغَدْرُ بَعْدَ الغِيَابِ
فَكُلُّ الَّذِي اكْتَالَ مِنْهُ عَذَرْ
لَكُم بِالخَمَائِلِ مِنْ مَهْجَةٍ
ذَوَتْ بَيْنَ إِكْلِيلِهَا المُنْشَطِرِْ
فَسِقَانُهَا قِرْطُ عِقْدٍ تَجَلَّى
بِنِصْفَيْهُمَا فَرَطُ تِبْرٍ وَدُرْ
وَثَغْرِي لَهُ صَيِّبٌ مِنْ غَمَامٍ
يَقِيهِ مِنَ اليَابِسَاتِ القَفْرْ
لَيُذْكِي لَهُ مِنْ هِيَامٍ غَرَامًا
يقلِّب جمْر الهَوى كالشَّرر
سَقَى الحُبُّ وِدْيَانَهَا فَاسْتَزَادَتْ
جَمَالًا عَلَى تَوْقِهَا المُسْتَعِر
فَكَمْ قَبَلَتْنِي رِيَاحِينُهَا
وَكَمْ كُنْتُ تِرْيَاقَهَا أَنْتَظِرْ
فَوَيْلٌ إِذَا اصْفَرَّ فِي الوَجْهِ خَدٌ
ذُبُولًا وَثَغْرِي أَنْكَوَى وَانْحَصَرْ
فَشَوْقُ وَإِنْ جَفَّ رِيقٌ يَقِينََا
فِيَزْدَادُ فِي نَشْوَتِينَا الأثَرْ
قَضَى رَبُّنَا لَا مَنَاصَ لِشَوْقٍ
لِيَحْظَى بِعُذْرِي وَصَلِ عَطِرْ