عَينَايَ حَائِرتَانِ اليَومَ فِي صُوَرٍ
تَشَابَهَتْ وَغَدَتْ كَاللُّعبَةِ الصُّوَرُ
بِلَيلِنَا قَمَرٌّ أَومَا بِمِعطَفِهِ
فَعُتِّقَتْ دِيَمٌ واستَنجَبَ الأثَرُ
وشَمسُنَا قَبَسٌ فِي سَجنِ عُتمَتِنَا
لَاحَتْ فَقَطَّعَ فِي أخبَارِهَا السَّفَرُ
حَتَّى لتُبصِرَ مَحمُولًا وَحَامِلَةٌ
تَهوي وَمِن حَولِهَا الأوثَاقُ والحُفَرُ
وَمِرفَقِي كَفَتًى تَلقَاهُ حَاشِرَةٌ
مِنْ أَلفِ بَينٍ إلَى أهدَابِهَا انحَفَرُوا
نَشِيدِيَ القَهرُ لا شَدوِي يُسَاعِدُهَا
وَلَا حَنِينِيَ خَلفَ العَجزِ يَصطَبِرُ
صَلَّى النَّهَارُ وَفِي بُردَيهِ كَافِرَةٌ
إِلهُهَا مِن فَمِ الشَّيطَانِ يَبتَدِرُ
عِبَادُهَا مِنْ يَدِ التَّشتِيتِ وَالِجَةٌ
نَبِيُّهُم قِدَمًا فِي الزَّعمِ يَنفَطِرُ
هَا نَحنُ إِذ رَجَعَت للسَّاحِ عُصبَتُنَا
بَنِي النَّسِيمِ غِنَاءً فِيهِ يَعتَمِرُ
حَامَ الكُمَاةُ عَلَى صَدرٍ مُؤَلَّفَةٍ
عَزَّت عَلَيهِ وَعَزَّ الأَيكُ والسَّمَرُ
يَا نُوحُ بِاللَّهِ قَد قُمنَا لِقَارِعَةٍ
قُمنَا وَمِنْ تَحتِنَا الطُّوفَانُ يَنفَجِرُ
فَمُخرَجُونَ إلَى الطَّاغِوتِ مَرجِعُنَا
ضَلَّ السَّفِينُ وَرَاحَ اليَمُّ يَنحَدِرُ
أوَى الزَّمَانُ إلى عَرشَيهِ مُفتَخِرًا
بَينَ الشُّعُوبِ خَلاهُ النَّقبُ يَفتَخِرُ
حَيَّ الظَّمَا وَلِهًا بالنِّيلِ مُستَعِرًا
والمُرهَقُونَ عَلَى آلائِهِ انسَحَرُوا
هَل هَكَذَا رِحلَةُ المَيدَانِ آخِرُهَا
ألَّا يَعُودَ مِنَ المَيدَانِ مَن ظَفَرُوا
أَنْ يَرقُصَ النَّايُ مِنْ أَحزَانِنَا طَرَبًا
كُلٌّ سَوَاءٌ فَمَنْ تَابُوا كَمَنْ وَزِرُوا
يَا شِعرُ إِذ أَصبَحَتْ تُبلَى سَرَائِرُنَا
كُلُّ المَلائِكُ فِينَا طُهرُهُم قَذِرُ
شِفَاهُنَا قُبَلٌ بالسُّمِّ نَملَأُهَا
قُلُوبُنَا غَسَقٌ بِالشَّكِ يَقتَمِرُ
بُكَاؤُنَا كَنَفٌ للضِّحكِ زَمَّلَهُ
شِتَاؤُنَا نَدَمٌ أحزَانُنَا مَطَرُ
أَعصَابُنَا لُقَمٌ يَقتَاتُهَا قَلَقٌ
أفكَارُنَا عَهَرَتْ قَوَّادُهَا ضَجَرُ
مَاذا دَهَاهُ المَدَى أودَى بِصَاحِبِهِ
عَينَاهُ إِنْ وَسِعَتْ فَالغَيمُ يَقتَصِرُ
تِلكَ الجُمُوعُ عَلَى أَمرٍ لِثَورَتِهَا
أغوُوا الهُتَافَ فَبِالثُّوَّارِ يَأتَمِرُ
والرَّاهِنُونَ إلَى أحَلامِهِم رَحِلًا
ذَرُّوا السَّرَابَ وَهُمْ للبَيعَةِ ابتَدَرُوا
مَاذَا تَبَقَّى لِكَي تَحيَاهُ أَفئِدَةٌُ
تَحيَا الغَرَامَ رِثَاءً ... والهَوَى خَبَرُ
لِوا الشَّتاتِ دَوِيُّ الطَّبلِ يَجمَعُهُ
وَبِالعَصَا أبَدًا مَسعَاهُ يُختَصَرُ
وَعَالِقٌ بِخَيَالٍ أَنَّ مَوعِدَهُ
قَد بَادَ عَهدٌ فَأبصِرْ يَنقَضَى الوَطَرُ
أَيَّامَ كُنَّا نُصَلِّي الحُبَّ مُؤتَلِفًا
حَولَ الصَّلِيبِ هِلالًا دُونَ مَنْ كَفَرُوا
أَبوَاقُنَا نَفَثَتْ فِي النَّارِ نَفثَتَهَا
فَعَادَ يَلطِمُنَا مِنْ غَيظِهِ الشَّرَرُ
وَعَادَ يَسأَمُنَا مَا كَانَ يَعشَقُنَا
كَأَنَّهُ ثَمَنٌ أَنْ يَحكُمَ الغَجَرُ
كَفَى يَبُوءُ بِإِثمِ الحَقِّ طَالِبُهُ
كَفَى تَطَالُ يَدُ التَّأثِيمِ مَنْ غَفَرُوا
بُلدَانُنَا تَعِسَت مَا أَدرَكَتْ بَلَحًا
لِلحُلمِ أو عِنَبًا واستَوحَشَ الثَّمَرُ
نُبدِي العَدَاوَةَ والبَغضَاءَ نَاصِيَةً
وَمَا تَبَقَّى مِنَ الأجسَادِ مُحتَضَرُ
نُفنِي السِّنِينَ وَقَد مَلَّت نُوَاعِدُهَا
حَتَّى تَقَطَّعَتِ الأسبَابُ وَالفِكَرُ
يَومُ الحَقِيقَةِ قَد أَخزَى تَوَجُّسَنَا
أَمَاطَ لَثمًا عَنِ المحذُورِ يَنحَسِرُ
لَا دَارَ مُنقَذَةٌ فَالدُّورُ صَدَّعَهَا
أَنَّ رَاحَ خَائِنُهَا فِي البَينِ يَستَتِرُ
تَستَعصِمُ اليَومَ إِذ ضَاقَتْ بِعَاصِمِهَا
"يَا قَومُ" وَالقَومُ نِسيَانٌ لِمَنْ ذَكَرُوا
مَدَّتْ إِلَينَا يَدًا تَرجُو التِقَاءَ يَدٍ
مَدَّ الجُمُوعُ وَحِينَ الوَصلِ قَدْ بَتَرُوا
كَأَنَّ ثَاكِلَةً فِي ذَرعِ ثَائِرَةٍ
قَد جَابَ يُهلِكُ لا يُبقِي وَلا يَذَرُ
مَن ذَا بِصِدقِ الهَوَى أَمسَى يُكَاشِفُهَا
إلَّا قَصَائِدنَا لِلإِفكِ تَبتَكِرُ
مَا أَبأَسَ الحُلمَ فِي صَحوٍ نُنَاصِرُهُ
وَنُغلِقُ العَينَ وَالكَابُوسُ يَنتَصِرُ
مَنِ المَلُومُ فَوَجهُ الله خَاصَمَنَا
وَصُحبَةُ الحَقِّ فِي أفوَاجِنَا تَتَرُ
مَنِ البَشِيرُ فَذُو التَّبشِيرِ خَادَعَنَا
ظُنَّ الغُرَابُ عَلَى أَكتَافِهِ البُشَرُ
مَا بَينَ أَمسٍ مَضَى بِالقَهرِ نَذكُرُهُ
وَيَومِنَا ... سَقَطَتْ عَنْ وَعيِنَا العِبَرُ
نَحن ُالوُقُوفَ نُرِيدُ الحَظَّ يَخدُمُنَا
وَلَيسَ مِنْ مَلَلِ الكَرَّاتِ يُنتَظَرُ
مَا دَامَ تَقتَاتُ إِنعَامًا مَعَاوِلُنَا
فَليَسقُطِ العَيشُ وَالأَقوَاتُ والنَّفَرُ
فَوَارِسٌ كَفَرَتْ بِالزَّحفِ ذِي نَدَمٍ
وَرَاكِبُوهَا بِطُولِ السَّيرِ قَد عَثَرُوا
وَالوَارِثُونَ أُولُو الثَّارَاتِ يَا وَطَنِي
بَانُوا وَبِنَّا ... وَكُلٌّ للأسَى انتَصَرُوا