كنتَ بالأمس شاعرًا عبقريًا
طاهرَ اللحنِ وحيُهُ الإيمانُ
ثم عاثتْ به صروفُ الليالي
وطوتْ سِفْرَ حبّهِ الأشجان
وعلى ساحلِ الضبابِ تبدّى
شبحُ الغيبِ يقتفيهِ الهوان
فتوارى طيفُ الهُدى وتمطّى
في محاريبِ قدسهِ العصيان
وانطوى النورُ في الظلامِ وماجتْ
صاخباتٍ في عِرْقهِ الأدران
واختفى ذلكَ الملاكُ وثارت
نزعاتٌ واستيقظَ الشيطان
ومضى ينحرُ الفضيلةَ حقدًا
فهي في مذبحِ الزنا قربان
ثملتْ روحُه بخمر الخطايا
فهو بالدم واللظى سكران
لم يعد يعشق الضياء فتاهت
في سماوات قلبه الألحان
هكذا أصبحت حياتي سرابًا
ومشى فوق صبريَ الكفران
هكذا أصبحت حياتي روضًا
جفَّ فيه الربيع والألوان
بَسَم الشؤمُ في رباه فحطَّت
تتناعى في أرضه الغربان
لا غناءٌ سوى فحيح أفاعٍ
سَكَرتْ من لعابها الغدران
فتولَّت عنه العنادلُ ثكلى
وجفاه الهزار والوِرشان
واختفت كلُّ بهجةٍ وتعرّت
نادباتٍ من ظلها الأغصان
كلُّ ما فيه ميّتٌ فهو دنيا
جثمتْ في رحابها الأحزان
أينما حطَّ ناظرايَ ظلامٌ
مرعبُ الموج ليس فيه أمان
يتلوّى به الجنون رهيباً
ويموج الشقاء والحرمان
ويمدّ الفناءُ نصلاً مخيفًا
فوق حَدَّيه ترقد الأكوان
هكذا لملم الزهورَ الزمانُ
وغفى فوق ذكره النسيان
فأنا اليومَ حفنةٌ من رمادٍ
خَلَّفتْها الأيام والحرمان
نحت الخزيُ في جبينيَ سطراً
مات فيه الضمير والوجدان
فتخلّى عني الصحاب احتقارًا
وجفَتْني الديار والأوطان
فإذا كلُّ ما تمنّيت كومٌ
من ترابٍ ترعى به الديدان
آهِ لو يرجع الذي فات يومًا
ولتنسى إساءتي الأزمان
فأرى ثغرها الشهيَّ المندَّى
يخفق الودُّ فوقه والحنان
تلك ذكرى ماتت بقلب الليالي
واحتواها في كهفه النسيان
سوف أفنَى وسوف يفنى غنائي
وتظل الغابات والوديان
مثلما جئت سوف أذهب لغزًا
يحتويه الغموض والكتمان