في آخرِ المقهى يراودهُ الشُّعورُ عن الحنينِ
ويهيمُ في التِّذكارِ، والتِّذكارُ مَمْلكةُ الشُّجونِ
فتراهُ كالموتى، وإن رُسِمَ الذُّهولُ على الجبينِ
عدَّ السنينَ، فلم يَجِدْ يومًا تجمَّل في السَّنينِ
يَقْتاتُ من وجَعٍ كَزَفْرةِ أَضْلُعِ الصَّدرِ الجديبِ
ويصدُّ عن أَلَمٍ فيرتسم الشَّمالُ على الجنوبِ
وكأنَّهُ من أَيْكَةٍ عصفَتْ بها ريحُ الهَبوبِ
لا الدَّهرُ يحفظهُ، ولا الأقدارُ ترأفُ بالغريبِ
بادٍ عليهِ من المتاعبِ ما يُقَطِّبُ حاجبيهِ
كالحامِلينَ مِنَ الجوى تعبًا تُرى الأرواحُ فيهِ
مُتَنَهِّدًا يرنو إلى الغَدِ يَتَّقيهِ ويبتغيهِ
حُلُمًا تبعثرَ في البلادِ، وما انثنى نَظَرٌ إليهِ
ما أكذبَ الدُّنيا وقد ضَلَّ السُّؤالُ عن الجوابِ
وأُحيْلَ من طلبَ النَّعيمَ إلى التَّعَثُّرِ والعذابِ
هي رحلةُ الأيَّامِ من أملٍ ليأسٍ لاغترابِ
كَلَّ الذي ظنَّ الخلاصَ لدى المسافةَ والسَّرابِ
يتأملُ الأيامَ في صمتٍ يُكَدِّرُهُ الضَّجيجُ
وكأنَّهُ حَرَمٌ، وحشد المُتعبينَ لهُ حجيجُ
ما عادَ يُرْبِكُه الوُجودُ أكانَ يركدُ أو يموجُ
شيءٌ من الأملِ استُبِيْحَ، فكادَ يَبْتُرُهُ النَّشيجُ
يا ليلةً مرَّتْ بِها الذِّكرى تُسامِرُ ساهريها
وتعلِّلُ الأرواحَ مِنْ عجبِ الزَّمانِ وتبتليها
هي بسمةٌ، لكنَّها أَدْمَتْ مدامِعَ عاشقيها
بَعُدَتْ، ولكنَّ الهوى ومرابِعَ الأحلامِ فيها
قاسٍ هو اليأسُ الذي يأبى سوى الأكبادِ صَيدا
هو ليس ملموسًا، ولكن كان للأرواحِ قَيدا
والحالمونَ تشبَّعوا وهمًا تكاثرَ أن يجودا
هذي بلادٌ أورَثَتْ لنفوسِها حُزْنًا تَليدا