تخطَّ إلى المحتوى

ريشة من رؤى وليل ونور

غير معروف

١٣١ بيت

المتفرقات

ريشةٌ من رؤى وليلٌ ونورُ

ومِزاجٌ مُدَلَّهٌ وعسيرُ

كم مضى بيننا ولم نتقابَلْ

ونداءُ الحنينِ صوتٌ جَهورُ

أينَ عيناكِ من دموعي ونزفي

أينَ دربُ الهوى وأينَ المسيرُ

عانقي رَجفةَ القصيدةِ إني

عاشقٌ خائفٌ وحبري جَسورُ

وندى الاِشتياق أنفاسُ روحي

وغماماتُ طيفِهِ تَصبيرُ

لم تزَلْ كلُّ لحظةٍ تعتريني

منكِ والعطرُ والشذى والبخورُ

وجمود الشتاء.. دِفءُ المباني

والشبابيكُ .. والغطاءُ الوَثيرُ

واحتضارُ الأبوابِ موتٌ لطيفٌ

حين كالاِحتضار يبدو الصريرُ

وحديثُ المساء -بعدَ انتظارٍ-

والصباحاتُ والعناقُ البكيرُ

أنتِ يا مَن مَسحتِ أنهارَ خدِّي

فنَمَتْ حولَ مُقلتيَّ الزهورُ

طهِّريني بلحظةِ الشوق

إنَّ البُعدَ ذنبٌ وشوقُنا تَطهيرُ

كم مضى بيننا ولم نتعانَقْ

عند زهرِ القيصوم حيثُ الحبورُ

كم مضى والربيعُ لم يحتشدنا

والبساتين لم تزرها الطيورُ

يا ملاذي ويا سُلافةَ حظِّي

هل عناقي الأخير حقًا أخيرُ

هكذا فجأةً هَجرنا! بلا أنْ

نُنذرَ القلبَ فالرحيل نَذيرُ

يا زمانًا مضى بكلِّ ابتهاجٍ

وردةُ العمر أنهكتها الجُذورُ

اعذُريني إذا مَنحتكِ حُبًا

لم أصُنْ قدرَهُ وقلبي قديرُ

واعذريني إذا يَثورُ اشتياقي

إنني لا أعيش لو ما يَثورُ

واعذريني إذا أغيرُ انفلاتًا

حيثُ إنَّ المُحبَّ -حقًا- غَيُورُ

ربما تمطر الغُيومُ جحيمًا

عندما يَجرح القتادَ الحريرُ

يا انكساري الوحيد حقًا ويا

ظالمتي بالغيابِ فالهجرُ جورُ

ضاع منّي الشعور صرتُ كسيرًا

يسألُ الأحجيات أينَ الكسورُ!؟

لم أعد طامعًا سوى في لقاءٍ

ينتهي حالَ ما يعود الشعورُ

انظري لي .. تأمَّلي شكلَ وجهي

هل تغيَّرتُ حينَ طالَ الحضورُ

هل ترينَ الحنين أم أنَّ عشقي

قلَّلَتْهُ السنينُ وهو الكثيرُ

يا جمالاً مضى وطهرًا توشَّى

بالأغاني التي حواها الأثيرُ

كان يمضي النهارُ طيشًا فيأتي

في الهزيعِ الأخيرِ عشقٌ وَقُورُ

آسرًا كانَ صوتُنا حين يسري

كانسياب النَّدى وقلبي الأسيرُ

يا اندهاشي العميق أقسمُ أنِّي

راهبٌ فيكِ أرهقتْهُ النُذورُ

حوليَ الحلمُ والحياةُ ولكنْ

كلُّ شهدٍ بلا لَماكِ مَريرُ

كلُّ صوتٍ بلا مَداكِ هَباءٌ

كلُّ حضنٍ بلا يديكِ نُفورُ

بعدما غبتِ لم يزَلْ يعتريني

عاشقٌ غاضبٌ وشوقٌ غَفورُ

يَملكُ الليلُ كلَّ يومي كأنَّ

الأرضَ بعدَ افتراقِنا لا تدورُ

وكأنَّ الهوى يهددني

بالموتِ والوقتُ قاتلٌ مأجورُ

والقصيم القصيم .. آهٍ عليها

مُنذ أن غبتِ حسنُها لا يُثيرُ

شكلُها باهتٌ ولونُ الصحاري

والعِماراتُ والقُرى والجسورُ

واقتحامُ الهَجيرِ حِصنَ الدوالي

والنخيلُ التي كَسَتْها التُّمورُ

والعقيلاتُ حيثُ بالحزنِ ضاقَتْ

عندما ضاقت النُهى والصدورُ

ومزاراتُها غدَتْ مثلَ روحٍ

دَمُها رغم طهرهِ مهدورُ

وبدا النورُ قشعةً من لهيبٍ

والحديقات ما بهنَّ عطورُ

فكأنَّ القصيم -حين افترقنا-

أضرمَتْ حزنَها فكانَ السعيرُ

وتولَّا ديارَها غرباءٌ

خُبثُهم -فوقَ جوعه- مسعورُ

أشهروا لعنها -بلا أسَفٍ- كي

يشتريها الملعونُ والمشهورُ

لو طَهَوْنا عجينةَ الوعدِ منهم

في الأماني .. تَقيَّأ الساعورُ!

ساقطاتُ الوعود أحلامُهمْ بل

زيفُ أفعالٍ كلُّها تَنظيرُ

وصراعٌ في دجنةٍ من غباءٍ

شُهبُها الاِنحلالُ والتكفيرُ

ها هيَ الآن في القصيدة ثكلى

تستجيرُ الرؤى وما من مُجيرُ

مَن رآها في داخلي قال: حقًا

لا يُلامُ الشَغوفُ والمسحورُ

طالما كانت الرصيدَ لحربِ

الحلمِ والانتطارِ حيثُ النفيرُ

وإذا اسودَّ في عيوني مُحالٌ

حبُّها داخلي سراجٌ مُنيرُ

آهِ لو كنتُ أقدر الموتَ فيها

فهيَ بدءُ الوجود وهيَ المصيرُ

وهيَ أَوْلى بلهفتي من طموحي

وإليها صبابتي والضمورُ

وعلى إرثها القصائدُ أضحَتْ

عُملةً في تجارةٍ لا تبورُ

هيَ والطهرُ والفضائلُ كانوا

حينَ كانَ اللارنجُ والكافورُ

لا تلوميني في التشبُّثِ فيها

إنني في غرامها معذورُ

لا تلومي غرورَها في فؤادي

ثقةُ القلبِ ليس فيها غُرورُ

لا تُبالي بمن يقولون: ماتتْ

تهمة الانقراض -لا شكَّ- زورُ!

لن تموت القصيمُ شريانُ نجدٍ

كيف تفنى وإرثُها إكسيرُ؟!

وطنٌ مُترعٌ بإعجازِهِ الماضي

ففي كل رملةٍ مأثورُ

ذِكرها صار في الطبيعةِ وحيًا

لو نسينا في سحرها التَّذكيرُ

فهنا في الهديلِ قد كان قيسٌ

وعلى الزقزقات كان جريرُ

وهبوب الشمالِ صوتُ ابن عبسٍ

أطلقتْهُ الغصونُ والباكورُ

والغضا، إنَّ في الغضا لفحةٌ من

اِمرئٍ القيس والدخانُ الزيرُ

والضبابُ البعيدُ رؤيا (حذامٍ)

حين أودى بعينها التحذيرُ

ونقوشُ الجبالِ لغزٌ مُشِعٌ

ضوؤُهُ الاحتمالُ والتفسيرُ

وأريجُ المعلقاتِ نسيمٌ

خالدٌ في جحودهِ تَزويرُ

يسقطُ النَقدُ حينَ يَجحدُ شِعرًا

منهُ في كلِّ شاعرٍ تأثيرُ

وطنٌ مُترعٌ بشجوِ المعالي

حيثما تجلسين ثَمَّ صفيرُ

يُثخِن الأرضَ بالغناء فإمّا

كروانٌ يَصيح أو عصفورُ

وأساطير خالداتٌ وحصنٌ

وبروجٌ ومعقلٌ وقصورُ

وجِنانٌ وهيبةٌ من جُمانٍ

وملاكٌ وآلهاتٌ وحورُ

أذنبَتْ في الجمالِ لكنها من

شدةِ الطهرِ ذنبُها مستورُ

هي هذي القصيمُ في عين قلبي

ملكوتٌ .. وعرشُهُ مهجورُ

هل تظنينَ أنَّها لا تُقاسي

مثلَنا في الحنينِ أو لا تفورُ!؟

هل تظنينَ أنَّها مَحضُ أرضٍ

جوفُها فارغٌ ورَملٌ حقيرُ!؟

يُخطِئُ النَّهرُ حينَ يَحسبُ

أنَّ البحرَ يَمتدُّ منهُ وهو الغفيرُ

هي كالبَعثِ أينما أبعدتنا

عيشةُ المغريات ثَمَّ نُشورُ

يا حنان الحنان هل من حصيرٍ

فوقَ أرضِ الجِراح؟ أم لا حصيرُ؟!

جُرحُنا -يا حبيبتي- كيبابٍ

حنَّطَتْ قشرَها ونحنُ القشورُ

رَغم أنَّ السنينَ طالتْ علينا

لم يزل في صدورنا التأثيرُ

غبتُ لكنني حضرتُ بروحي

فأنا أختفي وشوقي يَزورُ

وأنا أمنع الإشارةَ نحوَ الجرح

في منطقي .. وعيني تُشيرُ

أخبريني علامَ أجحد أني

كنتُ وردَ الهوى وأنتِ العبيرُ

نعم الجرح أذبل الورد لكنْ

أدمعي منهلٌ وشوقي بذورُ

مُغرِقٌ بالغفران والصفحِ مهما

أشرك البحرَ في طقوسي الغديرُ

وإذا أمرضَ الحنينُ فؤادي

قلت: لا بأسَ يا فؤادي، طهورُ!

كيف للجرح أن يمرَّ سريعًا

دونَ أن لا يصدَّهُ التبريرُ!؟

وهل العِشقُ فاطرٌ حزنَهُ بي

أم فؤادي بطبعِهِ مفطورُ!؟

فرّقت بيننا المسافاتُ لكنْ

زاد -مقدارَ بُعدِنا- التفكيرُ

بكِ مثلُ الذي بقلبي وإن لم

ينكشفْ في شفاهِنا التعبيرُ

لا يَموتُ الوَفاءُ في الحبِّ إلا

حينَ في سرِّنا يَموتُ الضميرُ

ازرعيني في سرِّ صدرِكِ كيلا

يجرحَ الياسمينةَ البلُّورُ

فكم اشتاقت الحقولُ لأنثىً

روحُهُا الاقتطافُ والتَّزهيرُ

يا هلالًا يُطِلُّ من ذكرياتي

طالَ ليلُ المُنى وعمري قصيرُ

كُلَّما اخترتُ رحلةً واجهتني

عثرةٌ -يا حبيبتي- وصخورُ

وحشودٌ من الشُرور كأنِّي

أينما كنتُ طوَّقتني الشُرورُ

أغرقتني بحيرةُ الحُلمِ غدرًا

وعلى الشِعرِ أسعفتني البحورُ

ولفرط الذهول أسألُ نفسي:

أجَزوعٌ أنا تُرى أم صَبورُ!؟

أضريرٌ أنا!؟ إذن ما لعيني

غامضٌ صبحُها كأنِّي ضريرُ

أجديرٌ بهمسةِ الحلمِ تُفشي

سرَّها كي تعيشَ أم ما الجديرُ؟

في الطريق الذي أكابدُ حسبي

أنني رَغم ما لقيتُ أسيرُ

أشتهي نيلَ أمنياتي وأسعى

رغم ظنِّي بأنَّها لا تصيرُ

ربما تُطفِئُ السنابكُ ناري

فيموتُ اللظى ويحيا العبيرُ

ربما تسقطُ الإمارةُ حتى

يتساوى الأميرُ والمأمورُ

رُبما تضحكُ السماءُ لحظٍ

دمعُهُ دونَ بؤسِهِ مَنثورُ

آفةُ العقلِ أنَّه غيرُ راضٍ

وبحجم الرضا يكونُ السُرورُ

لو زفرتُ الحياةَ من فرط سُخطي

فقليلٌ على الحياةِ الزفيرُ

كيف أبني مدينةً من نقاءٍ

وكفوفي طموحُها مَبتورُ؟!

كيف أنسابُ بالبياضِ وحرفي

في معانٍ سماؤها دَيجورُ

كيف لي أنْ أجودَ في أمنياتٍ

قطرةُ الفأْلِ عندها تبذيرُ

سوف تَذوي حديقةُ الحلمِ -حتمًا-

حين أقصى آمالها التَّشجيرُ

وأنا -فرط ما تأوَّهتُ قهرًا-

بات لي من صياح قلبي زئيرُ

أوجعتني مسامعي في زمانٍ

سادَ فيهِ القيثارُ والطنبورُ

فكأنّي مع المواجعِ ماءٌ

مستحيلٌ وصوتهم صنبورُ

يا جمالاً بنكهة الطُهرِ مهلاً

إنني -يا حبيبتي- مذعورُ

طمئنيني فقد تساقطتُ خوفًا

في جحيم المُنى وما من نصيرُ

بين عقلي وفكرتي طَعَناتٌ

وعلى الحِبرِ كاتبٌ منحورُ

لا مجازي فوقَ الحروف (أبولو)

لا ولا مُهر فكرتي (قنطورُ)!

كلما أوقد انتقاميَ ناعٍ

أخمد النارُ فيَّ غيمٌ بشيرُ

لا أريد الفجورَ ثَأرًا لبؤسي

فحرامٌ عندَ النبيلِ الفجورُ

واشتياقي إليكِ -قطعًا- عظيمٌ

وكثيفٌ .. وعاصفٌ .. ومَطيرُ

أجل اشتقتُ لكن الهجر جَبْرٌ

وُمحالٌ يُكابرُ المَجبورُ

انتهى أمرنا .. وهذا حنيني

قبرهُ في قصيدتي محفورُ

انتهى أمرنا .. وفي العمر جُرحٌ

تتنتهي -عندما يَجيءُ- الأمورُ

انتهى أمرنا .. فلا تتبعيني

حان أنْ يقتلَ الحماسَ الفتورُ

صرتُ صعبًا -وإنْ تيسَّرتُ وهمًا-

أصعبُ الأمنيات وَهْمٌ يَسيرُ

صرتُ صعبًا وليس للجرحِ نِدٌّ

مثلما ليس للهزبرِ نظيرُ

واعذريني إذا غرقتُ بحزني

فسديمُ الهموم وَبلٌ غزيرُ

أو إذا الاندهاش ما عاد يحيا

في عيونٍ أماتَها التَّكريرُ

أنا حتى وإنْ ألِفتُ اعوجاجَ

الحظّ لكنْ في داخلي مَبهورُ

داخلي ثائرٌ مُحِبٌ يُعاني

صَغَّرتْهُ الحياةُ وهو الكبيرُ