ألا إنما الدنيا تُنيلُ وتسلبُ
وفي نَيْلها الإنسان يلهو ويلعبُ
ولا يرعوي عن غيِّه متمادياً
بما هو فيه والغوايات تُطْرب
وكم أعطتِ الدنيا وغرَّتْ وأغدقتْ
ولكنها سرعان ما تتنكَّب
فتأخذ ما أعطت وتهدم ما بنتْ
وتُشقي الذي قد أسعدتْ وتعذِّب
وتستأصل الحرْثَ النضير بنكبةٍ
تعود على النسل الكثير فيذهب
بداهيةٍ دهياءَ خاب غريمُها
تَخطَّفُ أرواحَ الأنامِ وتنصب
تساوَى لديها جاهلٌ ومُحَمَّلٌ
بعلمٍ غزيرٍ ذو شمائلَ تُعْجب
تساوَى لديها خائرٌ ذو فهاهةٍ
وصلبٌ شجاعٌ باسلٌ متوثِّب
تَساوَى لديها ذو ثراءٍ ونعمةٍ
وخالي وفاضٍ مُدقع الفقرِ مُتْرِب
تساوى لديها ذو شبابٍ وهمّةٍ
وآخرُ من شيخوخة العمرِ ينصب
تساوى لديها الغِرُّ في شطحاتهِ
وذو الخبرِ الفذُّ القدير المجرِّب
تساوى لديها هادئٌ ليس يزدهي
بما عنده والطائشُ المتقلِّب
تساوى لديها من تناهَى ببخله
وآخرُ ذو جودٍ كريمٌ مُنسَّب
تساوى لديها فارهُ الطول باذخٌ
وقزمٌ قميءٌ لا يُرى حين يقْرب
فما تلكمُ العشواءُ تضرب في الدجى
فتقضي على المضروب أيّانَ تضرب
هي الموتُ، جبّارٌ يذلُّ لحُكْمه
جبابرةٌ راعوا الأنامَ وأرهبوا
يُذلُّ الأُلى شادوا الحصونَ وجنَّدوا
جنوداً أخافوا العالمين وأرعبوا
ويستنزلُ العِقبان من وُكناتها
فلا مِنْسرٌ يُجدي ولا صال مِخْلب
ويأتي ليوثَ الغاب وهْي عزيزةٌ
فيتركها صرعى تُهان وتُسحب
ويهوي بوعلٍ لاذَ في شاهق الذُّرى
فلا تمنع الصمُّ الصِّلابُ وتحجب
وكم فحَّ في البيداء أسودُ سالخٌ
فأدركَه فاصطكَّ لا يتسرَّب
فأين الملوكُ الصِّيد؟ أين قصورُهم؟
وجندُهمُ في الصبح والليلِ جُوَّب
فلم تحمِهم حرّاسُهم وكنوزهم
وما نفعَ التاجُ العظيم المذهَّب
مضَوا ومضت أعمالهم وفضائلٌ
حوَتْها وأمجادٌ إذا سار موكب
وأهلُ التقى والبِرِّ؟ أنهمُ مَضوا
على عجلٍ لبّوا النداءَ فغُيِّبوا
وأين رسولُ الله خيرُ عبادِه
وكان لآي الذكرِ يتلو فيُعرب
هو الموت نقّادٌ يريد نفائساً
فرائسُه للعلم والخير تُنسب
أجل هو يختار الكرامَ ويصطفي
ذوي الفضلِ وهْو الناقد المتدرِّب
لذا انتزعَ «المهديَّ» من بين أهله
وأصحابِه وهو الشّهاب المثقَّب
وواسطةُ العقدِ التي يُزدهَى بها
لها حسناتُ العقدِ والحسنُ يُنسَب
هو الأريحيُّ الماجد الشهم لم يزلْ
بأفعاله يجني الفخارَ ويجذب
رزينٌ عظيم الصبر يومَ كريهةٍ
عفيفٌ أبيٌّ طاهر الذيل طيّب
شجاعٌ جريءٌ باسل القلب والنُّهى
وَفِيٌّ كثير الجود، في الخطب أغلب
أديبٌ أريبٌ شاعرٌ متفنّنٌ
ونِعْمَ المربّي للبنين المؤدِّب
أخو مجلسٍ بادي الوداد مهذَّبٌ
رقيق الحواشي بالجميع يُرحّب