قولي وداعًا للمدينةِ يا حقيبةُ، سامحيها..
واذكريني إذ وقفتُ محدقًا في أمنياتِ حقيبةٍ معروضةٍ للبيعِ مثلَ أميرةٍ مسبيةٍ.. فوق الرصيف.
متسائلًا راقبتُها: أتُرى تساءلت الحقيبةُ ما المصير؟
هل خمَّنَتْ روح الحقيبة أنها يومًا ستحملُ ما يظنُّ الفيلسوف؟
تحمي دماءَ كلامه تسعين شهرًا، ثم تنجبها إذا أمِنَ الكلامُ بصفحةٍ مكشوفةٍ.
سارت معي خمسينَ شهرًا، لا تسيرُ بلا يدي، أو لا أسير بدونِها، وجهي لوجهِ حقيبتي ظلٌّ رديف..
في كهفِها سرُّ الحكاية كلِّها، وجعٌ إذا أطلقتُهُ قطعوا يدي، وجعٌ إذا وشت الحقيبةُ مرةً بحديثِهِ بقروا تأمُّلَها الرزينَ وأخرجوا طفلي الذي لم يكتمل، حبسوه في عقلي فمتنا كلُّنا، أنا والحقيبةُ والجنين!
كلَّا معاذَ الفضلِ أن تشيَ التي حررتُها فوق الرصيف..
ومعاذَ فهمِ الصمتِ في هذي الحكيمة أن تُشيعَ كلامَنا..
ومعاذَ ميثاقِ الفلاسفة الحيارى أن تبيحَ حكيمةٌ هذا النزيف!
وحقيبتي في الكفِّ آخرُ ما تبقَّى في يدي من بعد أن حلق الغزاة الملتحونَ قصائدي..
من بعد أن قطعوا الطريقَ على الطريقِ وأجبروها أن تكفَّ عن المسيرْ
قالوا لها:
نحن الذين هنا نتاجرُ، رحلةُ الصيفِ المليئةُ بالركامِ، بكل أشلاء الصغار، غباؤنا، وشتاؤنا الثلجيُّ فوق قلوبكم، والشمعة البلهاء في حفل الشواء، شواء أطفال المخيم، كل ذلك ملكنا، كفي عن البيع الرخيصِ، توقفي، نحن الطريقُ ونحنُ قطاع الطريق ونحن ناصيةُ القضاءِ، ونحنُ نحنُ وأنتِ نحنُ، ونحن أنت.
قالوا كذلك فانتقمتُ لغيظ حبري واعتقالِ محابري، وقمعتُ إصرارَ الحقيبةِ أن تظلَّ على المدينة صابرة، وأمرتُ أمضي بالحقيبةِ ريثما يمضي الغزاة.
وتذكري يا شنطة الشعر السميكةَ أنني والحلوةَ القمحيةَ الهيفاءَ غادرنا المدينةَ ذاتَ يومٍ واقفَينِ بلا حراكْ.. في ذلك الركن البعيد.
وتذكريها حين أوجعها الفراق
وتذكري أني هروبًا من مآقيها التي فوق الطريق أغادرُ الآن الطريقْ
وأغادرُ الطفلَ الذي هو صورتي بين الأزقة لم يزلْ، أو لن يزولْ
وتذكري بينا نسيرُ على سواحلَ موحشاتٍ أنني في لونِ طين البحر أُبصرُ لونها فأخافُ مما لم تقُلْ.
وتذكري يا أختيَ الصغرى أو انسِي هذْريَ المشقوقَ ألفَ شظيَّةٍ تحت سكينِ المجاز.
فالأمرُ أمرُكِ، حرةٌ أنتِ ابتداءً لا انتهاءً بعد حادثةِ الرصيف..
سيري بقربي دائمًا حتى أدوِّنَ ما أخبئُ..
ذاكَ شعري، ذا صُراخ حقيقتي
إن الذي أخفي هو الشعرُ الصريحْ
لا ما أبوحُ بهِ إذا نادى العريف!
قولي وداعًا للمدينةِ يا حقيبةُ، سامحيها..
وتذكَّري أنثى السماءِ الحانية
بنتَ الغيوم المشتهاةَ الفاكهيةَ والتي شاخت كقلبي مرتين
حينَ افترقنا ثم حين دسستُ كلَّ محابري بحقيبتي وقضمتُ أطرافَ المدينةِ في الوداع.
قالت: أقلُّ الوصلِ أن نتقاسمَ الأنفاسَ في قلب المدينة ذاتِها
وتكونَ أسمى أمنياتي أن يطيرَ زفيريَ المشتاقُ في رئتيكَ محضَ مصادفة
وقله أن تستحم بشهقتي عند المساء إذا رَمَتها في طريقك قبَّرة
ستفتش الدربَ الطويلَ القبَّرة..
أتريدُ أن تُعيي جناحَ القبَّرة؟
قلتُ الطريقُ طويلةٌ قد بات يسكنها الغرابُ المنزليُّ كثكنةٍ سوداءَ..
والأرض صاحبتي تريد قصيدةً تصطادُ آثامَ الغرابِ بقوةٍ.
ولسوف تحضنني المنافي كي أصوغَ قصيدتي، وأعودَ ألقيها على وجه الغراب.
قلتُ ابعثي عطرَ السلامِ مع القصائدِ، إنَّ كلَّ الأرضِ في نظرِ القصائدِ واحدة
والقبَّراتُ كما الحقائبُ سوف تفهمُ ذات يومٍ ما فعلتْ
والركنُ سوف ينيرُهُ متعانقانِ تحديا قهرَ الغرابِ المنزليِّ ولم يكونا مثلَ قلبي قابضَينِ على جنين حقيبةٍ، ومهاجرَين.