عَلَى ضِفَافِ الأَسَى يَقْتَاتُنِي أَلَمِي
وَمِلْءُ عَيْنِيَ طَيْفٌ غَارِقٌ بِدَمِ
أَنَا الذِي شَرِبَ الأَوْجَاعَ مِنْ صِغَرٍ
حَتَّى سَكِرْتُ بِخَمْرِ الهَمِّ وَالسَّأَمِ
مَا زِلْتُ أَمْضِي وَدَرْبُ التِّيهِ يَنْكِرُنِي
وَكُلَّمَا قُلْتُ: "بَانَ الفَجْرُ" لَمْ يَقُمِ
كَأَنَّ كُلَّ مَواوِيلِ الشَّجَا نَزَلَتْ
بِي، ثُمَّ قَالَتْ لِهَذَا الحُزْنِ: لَا تَنَمِ!
مَا عُدْتُ أَعْرِفُ هَلْ بِي نَبْضُ أَوْرِدَةٍ
أَمْ أَنَّنِي جُثَّةٌ تَمْشِي بِلَا قَدَمِ؟
أَنَا المَسِيحُ... وَهَذَا السَّعْفُ أَعْمِدَتِي
وَهَذِهِ الأَرْضُ "قُدَّاسِي" وَمُحْتَكَمِي
غَفَرْتُ لِلنَّخْلِ أَنْ يَرْنُو لِمَصْرَعِنَا
مَا دَامَ جِذْعِيَ مَشْدُوداً إِلَى الشَّمَمِ
مَا ضَرَّنِي الصَّلْبُ... إِنَّ الصَّلْبَ مِيْلادِي
مَنْ يُتْقِنِ المَوْتَ لَا يَخْشَى مِنَ العَدَمِ
يَا بَائِعِي الخَوْفِ بِاسْمِ اللهِ، وَيْحَكُمُ
هَلْ يُخْدَعُ اللهُ بِالأَلْقَابِ وَالوَهَمِ؟
لَوْ كُلُّ مَنْ سَجَدُوا لِلَّهِ قَدْ صَدَقُوا
لَمَا بَكَتْ شِرْعَةُ الإِسْلامِ مِنْ سَقَمِ
تِلْكَ العَمَائِمُ لَوْ طَابَتْ سَرَائِرُهَا
لَمَا غَدَا "الدِّينُ" فَيْئاً بَيْنَ مُقْتَسِمِ
صَلُّوا بِنَا، وَقُلُوبُ القَوْمِ جَاحِدَةٌ
تَقَاسَمُوا اللهَ بَيْنَ الزَّيْفِ وَالتُّهَمِ
تَقَاسَمُونَا، وَخُبْزُ اللهِ مَائِدَةٌ
لِلْجَائِعِينَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِلرَّحِمِ!
أنا العراقِيُّ ملءُ الأرضِ بي شجنٌ
حَتَّى غَدَوْتُ غَرِيبًا فِي حِمَى حَرَمِي
يَا غُرْبَةَ الشَّمْسِ فِي لَيْلٍ يُحَاصِرُهَا
إذا ترَدّى الهدى في غَيهَبِ الصنمِ
صَلَبُوا الصَّبَاحَ عَلَى جُدْرَانِ خَيْبَتِنَا
وَأَوْرَثُونَا سِيَاطَ الجَوْرِ وَالظُّلَمِ
كُفُّوا العُهُودَ فَمَا فِي الأُفْقِ بَارِقَةٌ
مَا دَامَ سَيْفُ القَضَا فِي قَبْضَةِ القَزَمِ
مَنْ عَلَّمَ القِزْمَ أَنْ يَسْطُو عَلى جَبَلٍ
وَمَنْ أَبَاحَ حِمَى العِقْبَانِ لِلرَّخَمِ؟
نَمْشِي عَلَى الجَمْرِ وَالتَّارِيخُ يَرْقُبُنَا
كَأَنَّنَا نُسْخَةٌ مِنْ آخِرِ الأُمَمِ
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ المَحْنِيُّ مِنْ تَعَبٍ
ارْفَعْ جَبِينَكَ مَجْدُ الطِّينِ لَمْ يُضَمِ
يَا حَامِلَ الطِّيْنِ هَلْ فِي الكَوْنِ مَنْزِلَةٌ
مِثْلُ العِرَاقِ بَرَاها اللهُ مِنْ كَرَمِ؟
فَلا تَظُنَّ بَيَاضَ الشَّيْبِ مَسْكَنَةً
إِنَّ الرَّمَادَ يُوَارِي هَوْلَ مُضْطَرِمِ
خُذِ الحَيَاةَ عِنَاداً لا تَمُتْ كَمَداً
إِنَّ العِرَاقِيَّ صِنْوُ اللَّوحِ وَالعَلَمِ
ارْفَعْ صَلاتَكَ... هَذا الطِّيْنُ مُعْجِزَةٌ
وَأَنْتَ سَيِّدُ هَذَا الكَوْنِ وَالهَرَمِ
مَا نَالَ غَيْرُكَ هَذَا الفَضْلَ مُصْطَفِياً
بَلْ كُنْتَ وَحْدَكَ مَنْ عُلِّمْتَ بِالقَلَمِ
كُلُّ الحَضَارَاتِ فِي أَعْطَافِنَا نُسِجَتْ
وَفِي حَنَاجِرِنَا مِيلادُ كُلِّ فَمِ
نَحْنُ الذِينَ فَتَقْنَا الغَيْمَ مِنْ ظَمَأٍ
وَنَحْنُ مَنْ أَرْضَعَ التَّارِيخَ بِالقِيَمِ
يَا مَوْطِنَ العِزِّ سَبِّحْ بِاسْمِ "نَخْوَتِنَا"
فَنَحْنُ آيَةُ هَذَا الكَوْنِ مِنْ قِدَمِ