قرأتُ شعرًا لا عينايَ تقرؤهُ
لكنْ قرأتُ بهِ تاريخَ منْ ظُلِموا
كأنَّ في الحرفِ نبضًا لا يُفارقُهُ
صوتُ الحقيقةِ، إنْ ضاقتْ بهِ الكَلِمُ
ورحتُ أُصغي، فاستيقظتُ مندهشًا
أنَّ المعاني على الأكتافِ تَزدَحِمُ
غيرَ أنّي رأيتُ الأرضَ مُثقلةً
واليأسُ فيها كليلٍ ما لهُ نُجُمُ
فقلتُ: لا بدَّ منْ صوتٍ يُقاتلُهُ
فيهِ الحقيقةُ لا تشكو ولا تنهزمُ
لا تشكُ للناسِ جرحًا أنتَ حاملهُ؟
بلْ اصرخْ بحقِّكَ إنْ ضاقتْ بكَ الظُّلَمُ
ما كانَ صوتُ الأسى عارًا لصاحبِهِ
إنْ كانَ يحملُ للأحرارِ ما كتموا
كمْ صيحةٍ أشعلتْ في الأرضِ قافيةً
حتى استفاقَ على أنغامِها الأُمَمُ
الصمتُ ليسَ وقارًا في مواطنِهِ
بعضُ السكوتِ على الطغيانِ مُتَّهَمُ
لا خيرَ في الصبرِ إنْ صارتْ مذلَّتُهُ
قيدًا، ولا المجدُ إنْ خانتهُ الشِّيَمُ
فصنعْ منَ الحزنِ نسرًا لا جنازةَ مَنْ
يبكي، فتبكي عليهِ الريحُ والدِّيمُ
واشربْ مرارةَ أيّامٍ مررتَ بها
فربَّ كأسِ أسىً قدْ أورثَ النِّعَمُ
واصبرْ على الجرحِ، إنَّ الجرحَ مدرسةٌ
فيه يُصاغُ الذي بالضوءِ يَلتَحِمُ
فصنعْ منَ الجرحِ أبوابًا تعبرُها
فالنارُ تصقلُ، لا تُفني الذي يشِمُ
ما المجدُ؟ المجدُ أنْ تبقى على شرفٍ
إذا تبدَّلَ وجهُ الأرضِ وانهزموا
فالمجدُ ليسَ قصورًا منْ زخارفِها
بلْ وقفةُ الحرِّ إنْ عزَّتْ بهِ القِيَمُ
فاللهُ ما خلقَ الإنسانَ منْ عبثٍ
ولا خُلِقنا لكيْ نستسلمَ العَدَمُ
بلْ جئنا نحملُ المعنى ونزرعُهُ
في قلبِ عاصفةٍ، والريحُ تحتدمُ
إن خانكَ الناسُ… لا تحكمْ على بشرٍ
فالوردُ يخرجُ أحيانًا ويُختتمُ
في الناسِ خيرٌ… وفيهم ألفُ مبكية
وفيهمُ الذئبُ… لكنْ بينهمُ الحِكَمُ
وفيهِم حرٌّ، إذا اشتدَّ الظلامُ بهِ
قامَ استحالَ على الطغيانِ يقتحمُ
فكل حرٍ إذا ما آمنَ اشتعلتْ
في صدرِهِ أُممٌ، واستيقظَ الحُلُمُ
لا العدلُ ماتَ… ولكنْ خانَ حارسُهُ
فاستفحلَ الزيفُ حتى ضلَّ منْ حَكَموا
والخيرُ ليسَ طفلا ضاعَ مرتعدًا
بلْ نارُ حقٍّ إذا ما الظلمُ يَلتَهِمُ
والشرُّ يعلو إذا استرخى ذوو شرفٍ
فلا يطولُ ظلامٌ فيهِ مُنتَقِمُ
كمْ عالمٍ ماتَ مجهولًا بلا وطنٍ
وكمْ حقيرٍ على الأكتافِ يُحتَرمُ
وكمْ شريفٍ طوتهُ الأرضُ منْ ظمأٍ
وكمْ خسيسٍ لهُ الأبواقُ والخدمُ
لكنَّ تاريخَ هذا الكونِ يشهدُ أنْ
لا يخلدُ الزيفُ مهما زخرفَ الصنمُ
المالُ يرفعُ أقوامًا بلا شرفٍ
لكنَّهُ عندَ ميزانِ العُلا رِمَمُ
إني رأيتُ رجالًا لا قصورَ لهمْ
لكنَّهمْ في عيونِ الدهرِ قدْ عَظُموا
ورأيتُ منْ يملكُ الدنيا وزينتَها
لكنَّهُ عندَ بابِ الحقِّ مُنْهَزِم
لا تيأسنَّ إذا خانَتْكَ معرفةٌ
فالناسُ بحرٌ وفي الأمواجِ مُزدَحِمُ
يكفيكَ أنَّكَ تمضي صادقًا أبدًا
فالصدقُ وحدهُ في التاريخِ مُعْتَصِمُ
ومنْ سوى اللهِ؟ لا جاهٌ ولا مَلِكٌ
يبقى… وكلُّ الذي في الكونِ يَنْعَدِمُ
ما خابَ منْ جعلَ الإنسانَ غايتَهُ
فالعدلُ أعلى، وإنْ ضاقَتْ بهِ القِيَمُ
فإنْ سقطنا… ففي أعماقِنا قَمَرٌ
لا ينطفئْ… وعلى أهدابِهِ القِيَمُ