يا عُمْرُ لا تبخلْ عليَّ، تمهَّلِ
لم أقضِ بعدُ من الحياة مُؤمَّلي
من يا تُرى إن طلت يقصر عمره
أوَ ما يخسّ من الزمان الأطول
حق الحياة عليَّ، دينًا لم يزل
والدينُ عندي بالكلام المنزل
أين الرجولة في حياةٍ تنطوي
أيامها في مشربٍ أو مأكل
في خاطري أمرٌ يسدّد دَيْنها
من بعدها يا عمرُ أقصُرْ أو طُلِ
لو كنت أقدر أن أعود إلى الصبا
لفعلت ما زمنَ الصبا، لم أفعل
حُيّيتَ يا زمنَ الصبا، يا منهلاً
يسقي الغرور، لأنت أعذب منهل
ما مرَّ ذكرك مرةً، إلا غلت
حُمّى الحنين إليك، غليَ المرجل
لم أنسَ مربعك الأغنَّ وخصبَه
وأنيس مرتبعي به وتنقُّلي
أيامَ لا همٌّ يزور ولا مَشقْ
قاتٌ تجور ولا بلاءٌ يبتلي
أيامَ تصطخب المنى، ومُنى الفتى
طوعًا تجيء عن السبيل الأسهل
أيامَ نُسرف والحياةُ كريمةٌ
بكنوزها تعطي وإن لم تسأل
أيامَ لا جوعٌ ولا شبعٌ ولا
نعيا ولا نرتاح، في بالٍ خلي
أيام نزرع في الطريق جنائنًا
نَقّالةً من كل خصر أنحل
والجوُّ يعبق بالأريج وبالصفا
وبشدوِ باغمةٍ وصدحة بُلبل
مثنى، فرادى، كيفما شئنا وكم
مُتمهِّلٍ عمدًا، وكم متعجِّل
والجارةُ السمراء تسترق الخطى
نحوي لترمقني بنظرة أكحل
تمشي وتعثر بالحياء وخاطري
مُتوكّئٌ عبثًا، يقول تمهَّلي
يزهو الشباب نضارةً في قَدّها
فيميس في قلق الوشاح المخملي
والنفسُ زائغةٌ إلى أهوائها
والعقل زاجرها يقول تَجمَّلي
إن الحياة جمالها بغرورها
فمتى انقضت أيامُه تتبدَّل
لو كنت أقدر أن أعود إلى الصبا
لفعلت ما زمنَ الصبا لم أفعل
كم ناصحٍ، ولّيت ظهري وجهه
وركبت رأسي في عنانٍ مُرسل
كم كنت أبخس حق حظي زاعمًا
أن الشبيبة خاتمٌ في أنملي
الناسُ تبدل آجلاً بمعجَّلٍ
وأنا بدلت معجَّلاً بمؤجَّل
كم فرصةٍ سنحت ولم أحفل بها
ذهبتْ فدا إيمانيَ المتقلقل
ولطالما ضاعت جزاءَ تعفُّفي
وحيائيَ المترفِّع المتبلبل
طبعٌ أنوفٌ كاد يُوردني الردى
لولا رحابةُ صدريَ المتحمِّل
كم بتُّ أطمع بالنزول إلى الغنى
فغدا يقول لرفعتي لا تنزلي
إن جاء، جاء بلا ابتذال كرامتي
وإذا فشلت، فإنني لم أكسل
فشلُ الغبيِّ ندامةٌ وتعلّةٌ
ودرايةٌ فشلُ الفتى المتعقِّل