تشطير بردة البوصيري
أمن تذكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ
أراك تقرع سِنَّ اليأس والنّدمِ
ومنه عيناك لما قَلَّ سكبُهما
مزجْتَ دمعًا جرَى من مُقلةٍ بدَمِ
أم هَبَّتِ الرّيحُ من تِلقاء كاظمةٍ
فذكّرَتْك ليالي الضَّالِ والسَّلَمِ
أم أشْبهَ الجوُّ ليلاً قد حَظيتَ به
وأومضَ البرقُ في الظّلْماء من إِضَم
فما لعينيك إن قلتَ اكْفُفا هَمَتا
وما لجسمك قد أشْفَى على العَدَمِ
وما ذهولُك هل مَسٌّ أُصِبْتَ به
وما لقلبكَ إن قلتَ اسْتفقْ يَهِمِ
أيحسَبُ الصَّبُّ أنّ الحبَّ مُنكتمٌ
وحاله مُعْرَبٌ عنه بكلّ فم
وخافقُ القلب مَعْ دمْعٍ يُجاوبُه
ما بين مُنْسجمٍ منه ومضْطَرِم
لولا الهوَى لم تُرِقْ دمعًا على طَلَلٍ
ولم تناجِ الأثافي غيرَ محْتَشِم
ولا صبَوْتَ لآرام اللِّوى طربًا
ولا أرِقْتَ لذكر البانِ والعَلمِ
فكيف تنكرُ حبًا بعد ما شهدَتْ
مَخايلٌ منكَ في صمْتٍ وفي كَلِم
وزادَ وجْدُك حتى للورَى نطقتْ
به عليكَ عُدولُ الدمع والسَّقَم
وأثبَتَ الوجدُ خَطَّيْ عَبرةٍ وضَنىً
وصرتَ هيكلَ عظمٍ باديَ العَدَم
ولونُ دمعِك معْ حال الضَّنَى ظَهَرَا
مثلَ البَهار على خَدَّيكَ والعَنَم
نعمْ سَرَى طيفُ مَنْ أهوَى فأرَّقني
منه بدَلٍّ أراني منتَهَى الجَشَم
إذْ بِتُّ يُطْمعُني حينًا ويمنعني
والحبُّ يعترض اللَّذاتِ بالألم
يا لائمي في الهوى العُذريِّ مَعذرةً
فما صَبَوْتَ ولم تَعْشقْ ولم تَهِم
وهذه شيمةٌ حُسْنَى وعارفةٌ
منّي إليك ولو أنصفتَ لم تلُم
عَدَتْكَ حاليَ لا سرِّي بمُستَتِرٍ
مهما ادَّعيتُ ولا حبِّي بمنكتِم
ولا هُيامي بخافٍ تحتَ تغطيةٍ
عن الوُشاةِ ولا دائي بمنحسِم
محضتَني النصْحَ لكن لستُ أسمعه
قد سِيط حبي بلحمي - عاذلي - ودمي
فلا ارعواءٌ فجهلٌ أنْ تحاولَني
إن المحبَّ عن العُذّال في صَمَم
إنّي اتهمتُ نَصيحَ الشّيب في عَذَلٍ
لذاك يَثْقلُ مبناه على الكَظِمِ
أغُضُّ عنه لدى المِرآة أنظرُها
والشَّيبُ أبعدُ في نُصْحٍ عن التُّهَمِ
فإنَّ أمّارتي بالسّوء ما اتعظت
ولا إلى العقل قد ألقتْ يدَ السَّلَم
لو هُذِّبتْ واطمأنت قطُّ ما عبثتْ
من جهلها بنذير الشّيبِ والهرم
ولا أعدّت من الفعل الجميل قِرى
مروَّعٍ يتوقّى زَلّةَ القَدم
ولا تحلّت بأخلاق الكرام إلى
ضيفٍ ألمّ برأسي غيرِ محتشم
لو كنت أعلم أني ما أُوقّره
وأنني عن ضلالي غيرُ مُنفطِم
لكنت رِفقًا به إذ عنَّ يُنذرني
كتمتُ سرّاً بدا لي منه بالكَتَم