أَهاجَتْ لَكَ التَّذْكارَ تِلْكَ المَعاهِدُ
فأَهْدَى لَكَ الأَشْواقَ ما أَنْتَ عاهِدُ
دِيارٌ لِبَيْضاءِ العَوارِضِ أَصْبَحَتْ
تَجُولُ بِها عُقْرُ الفَلا وَالأَوابِدُ
وَلَولا هَوَى سُعْدَى لَما هَيَّجَتْ جَوَىً
عَلَى كَبِدِي أَطْلالُهُنَّ الهَوامِدُ
فَتاةٌ إِذا أَبْدَتْ مَحاسِنَ وَجْهِها
تَخَجَّلْنَ مِنْها البَهْكَناتُ الخَرائِدُ
أَيا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَيالِي وِصالِها
تَعُودُ وَهَلْ لِي ذلِكَ العَهْدُ عائِدُ
فَما بالُها ما أَيأسَتْنِي مِنَ الرِّضا
وَلا صَدَقَتْ مِنْها لَدَيَّ المَواعِدُ
أُطالِبُها أَدْنَى الوِصالِ فَلَمْ تَجُدْ
وَإِنِّي لَها بِالرُّوحِ ما عِشْتُ جائِدُ
أَحِنُّ إِلَيْها كُلَّما هَبَّتْ الصَّبا
كَما حَنَّتْ العِيسُ الهِيامُ الفَواقِدُ
وَمُذْ حازَها البَيْنُ المُشَتِّتُ ما رَقَتْ
دُمُوعِي وَلا طابَتْ لَدَيَّ المَراقِدُ
وَهَلْ يَسْتَلِذُّ النَّوْمَ مَنْ كانَ قَلْبُهُ
يُباشِرُهُ جَمْرٌ مِنَ الوَجْدِ واقِدُ
فَلِي مِنْ أَماراتِ الصَّبابَةِ سائِقٌ
إِلَيْها وَلِي مِنْ جاذِبِ الشَّوْقِ قائِدُ
مُهَفْهَفَةٌ مَفْعُومَةُ السَّاقِ بَضَّةٌ
خَبَرْنَجَةٌ لَعْسا المَراشِفِ ناهِدُ
تَراها كَمِثْلِ الشَّمْسِ تَحْتَ غَمامَةٍ
إِذا ما احْتَوَتْها فِي الخُدُورِ البَراجِدُ
تَضِيقُ بِساقَيْها خَلاخِلُ ساقِها
كَما احْتَكَمَتْ فِي دُمْلُجَيْها السَّواعِدُ
بَدَتْ وَجْهَ صُبْحٍ فَوْقَهُ اللَّيْلُ دامِسٌ
يَمِيدُ بِهِ غُصْنٌ مِنَ البانِ مائِدُ
مُنَعَّمَةٌ قَدْ كادَ ناعِمُ جِسْمِها
تُؤَثِّرُ فِي الأَعْطافِ مِنْهُ المَجاسِدُ
وَلَوْ أَبْدَت الخَدَّيْنِ مِنْها لِعابِدٍ
لَخَرَّ لَها فَوْقَ الثَّرَى وَهوَ ساجِدُ
حَكَتْ بَدْرَ تَمٍّ بِالثُّرَيَّا مُقَلَّداً
غَدِيَّةَ إِذْ جالَتْ عَلَيْها القَلائِدُ
أَرَى العَيْشَ قَدْ وَلَّى وَوَلَّتْ شَبِيبَتِي
وَمَهْما بَقِي مِنْ بَعْضِهِ فَهوَ فاسِدُ
إِذا الزَّرْعُ فِي الإِيناعِ آنَ حَصادُهُ
أَتاهُ عَلَى حُكْمِ المَقادِيرِ حاصِدُ
وَما الدَّهْرُ وَالإِنْسانُ فِيما أَراهُما
إِذا اجْتَمَعا إِلاَّ طَرِيدٌ وَطارِدُ
وَما النَّاسُ إِلاَّ كالدَّراهِمِ تُنْتَقَى
وَلَيْسَ لَهُمْ إِلاَّ التَّجارِبُ ناقِدُ
وَقَدْ يَقْتَنِي غُرَّ المَكارِمِ وَالعُلا
مِنَ النَّاسِ مَنْ هانَتْ عَلَيْهِ الشَّدائِدُ
وَأَخْسَرُ خَلْقِ اللهِ مَنْ قَطَعَ المَدَى
حَياةً وَلَمْ يَحْمَدْهُ فِي النَّاسِ حامِدُ
لَعَمْرِي لَئِنْ ضاقَتْ بِغَيْرِي مَقاصِدٌ
بِمَسْعاهُ فِيها لَمْ تَضِقْ بِي مَقاصِدُ
وَإِنْ عُدِمَ النَّاسُ الزِّيادَةَ فِي الغِنَى
فَلِي فِي الغِنَى مِنْ جُودِ زايِدِ زائِدُ
فَتىً لَمْ يَحِدْ عَنْ كُلِّ مَجْدٍ وَسُؤْدَدٍ
وَلَكِنَّهُ عَمَّا يُدَنِّسُ حائِدُ
بِهِ صَلَحَتْ أَيامُنا وَعُصُورُنا
وَقَدْ زايَلَتْ أَوْقاتِهِنَّ المَفاسِدُ
تَرُوحُ عَلَينا مِنْ مَخايِلِ جُودِهِ
بَوارِقُ تَهْمِي بِالنَّدَى وَرَواعِدُ
هوَ الأَمْجَدُ القَرْمُ الَّذِي فِي فِعالِهِ
يُقَصِّرُ عَنْها الأَكْرَمُونَ الأَماجِدُ
رَقا رُتْبَةً مِنْ دُونِ مَبْلَغِ سَمْكِها
غُمَيْصاؤُهاُ حَيْثُ انْتَهَتْ وَالفَراقِدُ
تَفَهَّمَ جَمْعَ المالِ زُهْداً وَلَمْ يَكُنْ
لَهُ مَطْلَبٌ إِلاَّ الثَّنا وَالمَحامِدُ
وَدُونَكَ نَظْماً يا ابْنَ صَلْتٍ مِنَ الثَّنا
غَرائِبُهُ طُولَ الزَّمانِ خَوالِدُ
بَضائِعُ مِنْ سِحْرِ البَدِيهَةِ وَالحِجا
نَوافِقُ لا فِي سُوقِهِنَّ كَواسِدُ
أَتَتْكَ وَصَدَّتْ عَنْ أُناسٍ كَأَنَّما
أَكُفُّهُمُ لِلْمُعْتَفِينَ جَلامِدُ
وَلا زِلْتَ مَحْرُوسَ الجَنابِ مُعَظَّماً
لِعِزَّتِكَ القَعْساءِ تُلْقَى المَقالِدُ