ثَنَتْ لِوَداعِي جِيدَها غُدْوَةً يُسْرَا
فَكانَ لَدَى تَوْدِيعِها عُسْرُها يُسْرَا
وَأَقْلَقَها ما عايَنَتْ مِنْ تَوَلْوُلِي
فَسَحَّتْ بِخَدَّيْها مَدامِعُها قَطْرا
وَلَمَّا تَلاقَى دَمْعُها وَجُمانُها
أَرَتْنِيَ فِي تَوْدِيعِها الدُّرَّ وَالدُّرَّا
فَيا لَكَ بَيْناً ما أَحَرَّ وَوَقْفَةً
هُنالِكَ مِنَّا تَمْزُجُ الحُلْوَ وَالمُرَّا
فَلَوْ أَبْصَرَتْنا أَعْيُنُ الواشِ أَبْصَرَتْ
عَلَى حالَتَيْنا الشَّمْسَ قَدْ حَلَّتْ الغَفْرا
إِذا ما صَمَتْنا أَلْسُناً وَتَرامَقَتْ
نَواظِرُنا أَضْحَى بِها سِرُّنا جَهْرَا
مِنَ البِيضِ إِنْ ضاجَعْتُها شَهْرَ ناجِرٍ
وَجَدْتُ لَدَيْها القُرَّ يَضْطَهِدُ الحَرَّا
لَها مُقْلَةٌ تَرْمِي القُلُوبَ إِذا رَنَتْ
بِنافِذَةٍ مِنْ دُونِها الصَّعْدَةُ السَّمْرا
مُمَوِّهَةٌ فِي الوَصْلِ وَالهَجْرِ طَبْعَها
فَلا وَصْلُها وَصْلاً وَلا هَجْرُها هَجْرا
إِذا رَضِيَتْ كانَتْ حَياتِيَ فِي الرِّضا
وَإِنْ هيَ صَدَّتْ لا حَياةَ وَلا عُمْرا
وَإِنْ سُغْتُ رَشْفاً مِنْ مُجاجَةِ ثَغْرِها
وَجَدْتُ بَرُوداً يَرْتَمِي فِي الحَشا جَمْرا
فَيا فَوْزَ مِسْواكِ البِشامَةِ إِذْ جَرَى
بِمَبْسِمِها الدُّرِّيِّ وَارْتَشَفَ الثَّغْرا
فَلا عُذْرَ لِي إِنْ لَمْ أَمُتْ يَوْمَ بَيْنِها
وَإِنْ مُتُّ كانَ المَوْتُ لِي عِنْدَها عُذْرا
أَيا مُظْهِرَ الإِنْكارِ فِيما رَضِيتُهُ
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فِي مَذاهِبِهِ نُكْرا
وَمَنْ لِي بِحُسْنِ الصَّبْرِ مِنِّي وَقَدْ نأَى
خَلِيطٌ لَنا لَمْ يَتْرُكُوا أَبَداً صَبْرا
خَلِيطٌ عَلَى بُعْدِ المَسافَةِ وَالنَّوَى
فَلا مَبْكَرٌ يُدْنِي إِلَيْهِمْ وَلا مَسْرَى
نَزُورُ لَهُمُ داراً فَنَسْأَلُ رَبْعَها
هُنالِكَ عَمَّا لا نُحِيطُ بِهِ خُبْرا
وَلَمْ تَرَ بَعْدَ الحَيِّ إِلاَّ مُشَجَّجاً
إِشارَتُهُ تَشْكُو لِسائِلِهِ القَهْرا
تَوَحَّشَتْ الأَطْلالُ بَعْدَ أَنِيسِها
وَلَمْ تَخْلُ مِنْهُمْ بَعْدُ عاماً وَلا شَهْرا
كأَنْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ جَدِيسٌ وَطَسْمُها
بِعَقْوَتِها حَتَّى غَدَتْ بَعْدَهُمْ قَفْرا
وَيَهْماءَ لَمْ تَلْمَحْ نَواظِرُ رَكْبِها
بِها قَطُّ إِلاَّ الرُّبْدَ وَالخُنْسَ والعُفْرا
قَطَعْتُ مَوامِيها بِوَجْناءَ عِرْمِسٍ
تَرَى فَرْسَخَ الغِيطانِ فِي عَيْنِها شِبْرا
بِها جُبْتُ عَرْضَ البَرِّ حَتَّى أَنَخْتُها
بِساحَةِ بَحْرٍ يُغْرِقُ البَرَّ وَالبَحْرا
بِبابِ مَلِيكٍ لَنْ تُكَيِّفَ شأْنَهُ
بَدِيهَةُ مَحْضِ اللُّبِّ نَظْماً وَلا نَثْرا
سُلالَةُ سُلْطانِ المَلِيكِ مُظَفَّرٍ
أَعَزُّ الوَرَى نَفْساً وَأَشْرَفُهُمْ قَدْرا
يَجِلُّ وَيَعْلُو أَنْ يُقاسَ بِقَيْصَرٍ
وَلا بِأَخِي اليَوْمَيْنِ طَوْلاً وَلا كِسْرَى
فَلَوْ عادَلَتْهُ الأَرْضُ وَزْناً وَأَهْلُها
لَما عادَلُوا فِي الوَزْنِ مِنْ كَفِّهِ ظُفْرا
لَقَدْ قِيلَ لَمَّا طافَ بِالأَرْضِ كُلِّها
أَهَذا ابْنُ داودَ الَّذِي أُعْطِيَ النَّصْرا
لَهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي أَعادِيهِ غارَةٌ
تُقَبِّلُ هامُ الأُكْمِ مِنْ بأْسِها العَفْرا
فَلَمْ يَفْتَتِحْ حِصْناً وَلا سُورَ قَرْيَةٍ
مِنَ الأَرْضِ إِلاَّ سارَ مُطَّلِباً أُخْرَى
وَلَوْ طالَبَ الخَضْرا خَراجاً لَسَلَّمَتْ
إِلَيْهِ تُخُومَ الأَرْضِ وَالشَّمْسَ وَالبَدْرا
لِتَهْنَا أَبا المَنْصُورِ إِنَّكَ واحِدٌ
مِنَ النَّاسِ فَرْدٌ قَدْ مَلَكْتَ الوَرَى طُرَّا
بَعَثْتَ إِلَى دارِ الأَعادِي كَتائِباً
تُرِيهِمْ هَوادِيها نُجُومَ السَّما ظُهْرا
وَمُذْ أَبْرَمُوا لِلْحَرْبِ كانَتْ أُمُورُهُمْ
عَواقِبُها مِنْ حَيْثُ ما أَبْرَمُوا خُسْرا
وَقَدْ ذُعِرُوا لمَّا رأَوْكَ كَمِثْلِ ما
رأَتْ سائِماتُ الطَّيْرِ فِي سَوْمِها الصَّقْرا
فَظَلُّوا مِنَ الخَوْفِ الَّذِي فِي قُلُوبِهِمْ
سُكارَى وَما فِي سُكْرِهِمْ شَرِبُوا الخَمْرا
حَشَرْتَهُمُ بِالمُرْهَفاتِ وَبِالقَنا
وَلا نَفْخَ إِلاَّ الكَرُّ فِيهِمْ وَلا حَشْرا
فَكانَتْ وَما كانَتْ حُنَيْنٌ لِذِكْرِها
حُنَيْناً وَلَيْسَتْ بَدْرُ فِي ذِكْرِها بَدْرا
إِذا وَرَدَتْ بِيضُ الصَّوارِمِ هامَهُمْ
لَدَى المَصْعِ بِيضاً صُلَّتاً صَدَرَتْ حُمْرا
وَكَمْ صارِمٍ فِيهِمْ أَطالَ سُجُودَهُ
فأَدَّى فُرُوضاً لا يُؤَدَّى لَها طُهْرا
فأَلْبَسْتَهُمْ لَيْلاً مَدَى الدَّهْرِ سَرْمَداً
إِلَى البَعْثِ لَمْ يُحْدِثْ لِنائِمِهِ فَجْرا