لاشتباك الرُّؤى بنفسٍ ضُباحُ
ووجيبُ الفؤاد مِن حيث راحُوا
ولِقاء الطُّلول فيكَ عجيب
يورثُ القبض، ما استهلّ انشراحُ
من «قِفا نبكِ...!» والليالي حديث
ظاهر اللفظ، يستبيهِ انزياحُ
هوَ للبحر ألفُ وجهٍ غريب
هو للموج ساحل مُستباحُ
ولساقٍ على الشواطي تردَّت
تقتفي ظلّها، ضلال مُباحُ
يا نجيّ الطلول! ظَلْتَ وحيداً
وصدى العِيس في السُّرى ذبّاحُ
واصطخاب الطُّيوف حولَك وهمٌ
مُدلج، سامر، رخيّ، بَراحُ
واشتجار المُنى وعزف المنايا
عُمُرٌ ذاهب ذرته الرِّياحُ
صُحبةَ الهمّ، بين ماضٍ جهول
ومشيبٍ جفاهُ رَوح وراحُ
يا نجيّاً، له بجوف الليالي
قُربات وجَفوة واجتراحُ!
أين تمضي؟! وذكرياتٌ تَلَظّى
والمرايا على الطريق كفاحُ
أين تنجو، يا آخر الحيّ همّاً؟!
والنُّهى غَرّرت بها الأقداحُ
فنضال أن تشرب الهمّ ثُفلاً
وفَخار لو تجتبيك الرّماحُ
ومن اللين أن يُناديك حَتف
ورجال على المنيّات طاحُوا
أيّ أرضٍ تُقِلّك اليوم ظَهراً؟!
وبأيّ الثرى يطيب اطّراحُ؟!
أيّ نهر إليك يجري اشتياقاً
غاض في وادييه سَحٌّ قَراحُ؟!
وطن فيك أصلُه اللا يُدانى
وجدودٌ على الطَّهور استراحوا
كان قبلاً، وجاءت الأرض بعداً
جنّة الخُلد من سَواديهِ ساحُ
وترامت أعرافُه حدَّ نار
أشعلتها مخاوِف واقتداحُ
هكذا كان، من عهود، ويبقى
فيه من كلّ عازبٍ قَدّاحُ
منه فار التنور، وارتحل الفُلك
ومنه الذينَ بالخُسْر راحوا
حيث قال: «ابْلعي مياهك...!» أرضي
وجدودي الصُّنّاع والملّاحُ
ونقوش على الرّقيم استفاقت
عند فجر التاريخ سُمرٌ فِصاحُ
فيه «مَن قد رأى» ومَن ذرع
الغاب لأرزٍ، وتابع مِمراحُ
وخلود أخطاهما في حياة
أغدق الوصف، فالشذا فوّاحُ
وطنٌ فيك سهلُه وذراه
وطُفوف زَكَت به والصَّحاحُ
وشبابٌ تسابقوا لحُتُوف
أرهبوا الموت وارتوتهم صِفاحُ
إذ تنادت أرواحهم لعطاء
فالتقت عند ربّها الأرواحُ
وتسامى على الرّماح العوالي
منهمُ الهام، فالسنا لمّاحُ
وسبايا اكتحَلنَ رُزأك ثاراً
حاسراتٌ وطُهرهنّ وشاحُ
وحروف على الثريا تعالَت
من رَزان، عَنا لها السفّاحُ
وعليلٌ، أكرم به من عليلٍ!
عرفت رِفق موطئيه البطاحُ
وطن فيك نبضهُ، أم تراهُ
فيهِ من نبضك الشجيّ صُداحُ؟!
و«عيونُ المهاةِ» و«الجسرُ» شِعر
أم سَعير بأصغرَيك يُباحُ؟!
ولياليكَ بالرُّصافة وهم
وليالٍ على الضّفاف مِلاحُ...؟!
وحديث الأسمار ما بين شطّيك
أباطيلُ مجّها الأقحاحُ؟!
وانعقاد الصَّفصاف ظِلّ ظليل
أم عَقيم من الغُصون يُزاح؟!
وظباء بجانب الكرخ ماسَت
وتثنّت على الرُّبى.. أشباحُ؟!
إيهِ، كم أثقل السؤالُ انطلاقي
قبل أن يُقلق السُّهادَ الصباحُ؟!
فأنيس إلى المؤرَّق ليلٌ
وطويل، وصمته نفّاحُ
وطنَ العاشقين والعشق طُرّاً!
ناهزَ القلب، فالهوى ذبّاحُ
كلُّ ما فيك من ظلوم السجايا
غامض، ضلّ فهمَه الشُّرّاحُ
جائر - منصف، شحيح - سخيّ
مدبر - مُقبل، وجافٍ - سَماحُ
هائج - هادئ، عزوف - عطوف
تابع - رائد، سَبيّ - لَقاحُ
كافر - شاكر، شقيّ - تقيّ
دربك الشوك، أم تُراه أُقاحُ؟!
لستُ أسلوك، فالعتاب ارتهان
وانتماء مُجلجِل صدّاحُ
وطنَ الهائمين، إنّي عميد
ناكفته الأفراح والأتراحُ
وأنا الرائد الحفيّ بأهلٍ
صادقٌ، فالسّرى بعيسٍ فلاحُ
أرتقي الطورَ كلّ حين، فأنجو
وتشظّى بكفّيَ الألواحُ
وأرى السامريّ يختِل أهلي
عن مصير، وعجلُه نطّاحُ
وابنَ أمّي، يُجرِّر الذيل خُسراً
أمردَ الوجهِ، طيرُه مِبراحُ
وأرى العِلجَ بثّ فينا شقاقاً
حسرةُ العُمر يَخدعُ التمساحُ!
وأرى عُصبة تُحيطك شتّى
لينوبَ اغترابُنا وانتزاحُ
خطوة التيهِ حيثُ ما سرتَ؛ وافى
قدرٌ سائق وإثم بواحُ
وطن فيك قهره وضناهُ
وتراتيل صبرهِ يومَ ساحُوا
ها هُمُ الشاحبون يقضون قهراً
وحُقوق تداولتها قِداحُ!
يَنسلون الفِجاج، من كلّ حَدبٍ
ولهم في خضمّ بحرٍ سَراحُ
يُنفقون الأشواق بين المنافي
ينطفون الأرواح أنّاةَ باحوا
ولهم بين شوقهم وارتحال
خَطَرات، وما عداهم جُناحُ
ذرَّفوا العُمر في الدروب ضياعاً
فاستباهم غُدوُّهم والرَّواحُ
لستُ أدري، بأيّ أرضك ألقى
وطناً، تاه في مداه الجَناحُ؟!
ضلّ في زحمة الدّروب يُنادي:
«ضاع صوتي وبُحّ منه الصياحُ»
وبكاسي من الهُموم غَبوق
وبعَين من السَّخين اصطباحُ
وعلى كفّيَ الخضيب حياة
وعلى ثغري الكئيب اقتراحُ
وابتسام مؤجّل في ارتياب..
أن تنام المُنى وتصحو الجراحُ
وعلى غُرةٍ سَمَت لسُهيلٍ
مِن بنات الحُقول، لونٌ صُراحُ
أنكرتهُ الوجوهُ، وهْي مِزاج
خالطتهُ بهارج وقِباحُ
وطنَ الذكريات! وهْي أنيسي..
كيفَ كانت، وهَديها مصباحُ
يا عهود الصِّبا، ومَدرج طفل
جهل القصد وازدراه المزاحُ!
راودتهُ الآمال، وهْو انطلاق
خشبيٌّ حِصانُهُ والسلاحُ
يا كثيبَ الشباب هِيهل بقفرٍ
عابثتهُ رواعد ورياحُ!
ونديمَ الرجولة اللا تُثنّى
ما استقامَت، وطبعها طَمّاحُ!
وتمامَ الخمسينَ صبراً ووهماً
أفبعد الخمسين يصفو طِماحُ؟!
وطنَ المتعبين، أنكرتَ وجهي
إذ تراءت لك الوجوهُ الوِقاحُ؟!
مُتعب خافقي، شَحوب جَبيني
وبكفّيْ -ممّا جنيتَ- جراحُ
بيدَ أنّ اللسان يفري بحقّ
فقصيدي منافح جَرّاحُ
فتمعَّن بسُمرة الوجه، حدّق..
واستمع لي، فنغمة الصبّ راحُ!
أنت لي الذكريات، حُمّلتُ منها
ما ارتوى خاطر وأدنى جِماحُ
وإذا ما جهلتَ وجهيَ أُخرى
فاللقا يوم تُنزع الأرواح
حيث أثوي، فالوجه خدّ تَريب
وعلى التُّرب من دمائي أُقاحُ
وفي الٱرجاء من عبيريَ نفح
وبأنفاسيَ السكينة واحُ
ولروحي رفيفُ طير شَغوف
فوق نهريك، والمدى وضّاحُ..