خطبٌ ألمَّ بهذه الأقطارِ
فأراعَ أهلَ البدوِ والأمصارِ
والدهرُ ما زالت قِسِيُّ صروفِه
ترمي الورَى بالهمِّ والأكدار
وغدا الزمان من المخافة ينتقي
بخيارنا من سطْوة الأقدار
والمرءُ فيه آمنٌ لا تنقضي
آمالُه باقٍ على الإصرار
غدرَ الزمانُ لهم فصاح بجمعِهم
أفٍّ له من ماكرٍ غدّار
وسقاهمُ كأسَ المنون تحكُّمًا
متعدِّيًا طلبًا لأخذ الثار
لكنهم أفضَوا إلى ما قدَّموا
من صالح الأعمال في الأعمار
لا غروَ إن جادت سحائبُ مقلتي
بغزير دمعٍ هاملٍ مِدْرار
ويحقُّ لي واللهِ أن أبكي دمًا
لفراق أحبابي وطِيبِ مزار
ما كنت أحسب والكواكبُ هذه
ستصير تحت التُّرْب والأحجار
حتى رأيت البدرَ خُلِّفَ في الثرى
لكنْ بقدرة قادرٍ قهّار
هيهاتَ أن يسلو فؤادي دائمًا
ومحمدٌ تحت الثرى متوار
أعني ابنَ عبدالله وَهْو إذا كُنِي
ب «أبا سلامةَ» من ذوي الأخيار
كانت سلامتُه سلامةَ مَنْ بقي
بزمانه من شدة الأخطار
بحرُ الفصاحة والبلاغة والندى
عِزُّ الهدى الحاوي لكلِّ فخار
مَنْ فاق أهلَ الفضل من عهد الصبا
بالعلم والتدقيق والآثار
يا ناعيًا أزعجْتَ أفئدةَ الورى
من عالَمِ الأبرار والفُجّار
يا غاسلاً بالله هل غسَّلْتَه
بالماء أو بهَتين دمعٍ جار
أمحمدٌ لِمَ لا أرى الوجه الذي
قد كان أزهى من سنا الأنوار؟
قالوا غدا في قعرِ قبرٍ بلْقعٍ
بعد الفضاء ونهجِ ذاك الدار
أسفًا على تلك المكارم والعلا
ومناقبٍ جلَّت عن الأغيار
مَنْ للفضائل والفواضل والتُّقى
ومحاسنِ الأخلاق حُسْن وقار؟
لعبَتْ به أيدي المنون فأصبحت
من بعده أثرًا من الآثار
قد كنتُ لا أرضى الديارَ وأنت في
تلك الديار بنعمة الإيثار
لم ألقَ خِلاً قطُّ بعدَك يُقتَنى
من كل فردٍ من ذوي الأحرار
فضرورةً أبكي وإن طال المدى
من فيض دمعٍ زاخرٍ تيّار
فسقى إلهُ العرش قبرًا حلَّه
ذو عفِّةٍ وسكينةٍ ووقار
وسحائبُ الرضوان منه رحمةٌ
تغشاه في الآصال والأسفار