كلما ضاقَ الطريقُ،
وارتحلَ رفيقٌ،
وخبتْ رعشةُ الأصابعِ
وهي تقتادُ اليراعَ
نحو بياضٍ
يرتجل باليقين،
الحياة ثم شكل الرحيل.
أكتبُ لها
بعرق اليد،
على قرطاس يائس
يخشى قيامةَ المطابع.
كأن الحبرَ
لا يزالُ يتعلّمُ
كيف يعشق سرير الورق.
أقولُ لها:
يكفي أنكِ
أصلُ الغفوة،
وحلمُ العودة
من جبهةٍ القسوة،
واستعارةُ النجاة
كلما اشتدَّ
صهد المنفى.
أعلمُ أنكِ بعيدة،
وأن الضجرَ
أقام بيننا
ظلَّهُ الخفيّ،
لكنَّ الانتظارَ
لم يكن عيبا
في جسر العاشقين.
لا تعتذري للانتظار...
فالوقتُ
لا يمنحُ مواعيدَه
إلا لمن يُصغي طويلا
لوردة الصبر.
كوني فقط...
ولو نكايةً
في وعيد النهايات.
ما ينقصُ القصيدةَ
وجهُ صبيةٍ
يلوّحُ لعابرِ شتاء،
معطفُهُ
من أثرِ أمٍّ رحلتْ،
لكنَّ إبرتها
ما تزالُ
تخيطُ ثوب الإياب.
وحين يختلُّ الوترُ،
وتتعبُ الكمنجاتُ
من حملِ الخفقان،
يبقى وجهُها
آخرَ موسيقى
تقاومُ اللعنات.
كوني رعشة البداية،
واملئي صمتَ البيوت
بضحكةٍ
تربكُ خطة الغياب.
كوني عزاءَ السجين،
ورائحةً
تفتحُ نافذةً
في جدارِ الزنزانة،
ليتنفّسَ الضوءُ
أولَ دهشته.
كوني ضوءَ النهار
إذا عميَ القدر،
وكلمةً
تبشر بصدق الرجاء
حين يضيقُ صدرُ العزاء.
أقلبُ معكِ دفترَ الذكرى،
أضحكُ ثم أبكي،
ثم أعودُ طفلًا
يجدُ العالمَ
في رائحة وسادتك.
فكوني امرأةً تشبهُ أمي،
قبل أن يسرقَ الضوءُ دفءَ البيوت،
وقبل أن تتحوّل الهواتف
إلى ذاكرةٍ تسرق الأحلام.
كوني رائحةَ الخبز،
ودفءَ التنور،
وأولَ شهقةٍ
في صدر الحياة.
بدّدي وجعي
بصمتٍ
يشبهُ صمتَ الأنبياء
عند جحود الأتباع.
وإذا ضاعَ الطريقُ منا،
فلنجلسْ قليلًا
على حافةِ الذاكرة،
نعدُّ ما تبقّى من نجومها،
ونكتشفُ أننا
لم نكنْ تائهين،
بل كنّا نقتربُ
من بعضنا ببطء.
ربما كنا غريبين فقط،
اقتسما خوفَ المدينة،
ونسيا
أن الحبَّ
لم يكن طريقًا...
بل عودة.