هنا القدس والطهر والإرتقاءُ
إلى حيث تصفو الرُّؤى والرُّواءُ
إلى حيث يُوحى بأسمى المعاني
ويُقبل عند المقام الدعاء
ويُسمع للطائفين دويٌّ
من الأرض تصغي إليه السماء
يقولون «لبَّيك ها قد أتينا»
وفي الأفْق يبدو لكلٍّ رجاء
مقامٌ لمن حَلَّه كان أمنًا
فنِعم المقامُ، ونعم البناء
وكنت أخاف ركوب المطايا
نسورًا يدوي بهنَّ الفضاء
رجومٌ من الأرض جدَّت صعودًا
كأن السحاب لهنَّ وِجَاء
وأجنحةٌ ليس فيهن ريشٌ
وطيرٌ، ولكنْ لهنُّ رُغاء
وفي جوفهنَّ ضِرامٌ تلظَّى
وللذيل عند الهُوِيِّ انحناء
أحنُّ، فما أستطيع مضيّاً
ويثني اعتزامي الضنَى والعياء
إلى أن تأجَّج صدري اشتياقًا
وبرَّح بالمقلتَيْن البكاء
وداعي المحبة أضحى ملحّاً
لبيتِ كريمٍ، إليه الحداء
وها قد تيسَّر ما كان صعبًا
فهان الرحيل، وكان اللقاء
وحطَّتْ رحالي بخير ديارٍ
يطيبُ المقام بها والثواء
وهل ثَمَّ في الأرض أقدسُ منها
وفيها قباءٌ، وفيها حِراء
وفيها - وما زال - رَجْعُ المثاني
يردِّدها للصباح المساء
وتهفو إليها قلوب البرايا
وتصبو الرجالُ لها والنساء
ويأتون من كل فجٍّ عميقٍ
كسيلٍ يضيق به ذا الفِناء