غابَتْ فغابَ الهدى والسكنْ
وضاقَتِ الأرضُ بي والزمنْ
وكانتِ الروحُ في قربِها
ربيعًا يضوعُ شذاهُ حسنْ
فلما تولّتْ تولّى السرورْ
وصارَ الفؤادُ رهينَ الحزنْ
أنادي الديارَ لعلَّ الصدى
يُعيدُ إليَّ صداها الدَّفِنْ
أحنُّ إليها حنينَ الغريبِ
إذا مسَّهُ الشوقُ بعدَ الوطنْ
أُحدِّثُ نفسي بطيفٍ يمرُّ
فيوقظُ في أضلعي ما سكنْ
كأنَّ عيونَها حينَ غابتْ
سلبنَ الضياءَ من المُزنِ
وكانتْ إذا ما مشت في الدروبِ
تفتّحَ وردُ الهوى وافتتنْ
وإن ضحكتْ لاحَ صبحُ الرضا
وخافَ من الحسنِ ضوءُ الفِطنْ
أبيتُ أراعي نجومَ السماءِ
وأذكرُ طرفًا بهِ أُفتَنَنْ
وأكتبُ اسمَكِ فوقَ الرمالِ
فتمحو الرياحُ ويبقى الشجنْ
أيا من لها في الحشا منزِلٌ
وفي كلِّ عرقٍ لها موطنْ
تبا للبعادِ إذا فرّقَتْ
قلوبًا تعاهدَتْ أن تُصنْ
أليسَ الهوى عهدَ روحينِ إذ
تلاقَتْ على قَدَرٍ مُستكنْ
فكيفَ جفوتِ وقلبِي الذي
حملتكِ فيهِ سنينًا حَضَن
إذا قيلَ لي اصبرْ على البعدِ قلتُ
وهل يُمسكُ الصبُّ دمعًا هتنْ
أراكِ بعينيَّ رغمَ الغيابِ
كأنكِ في مهجتي لم تبنْ
وإن مسَّني البينُ نارًا أقولُ
رضيتُ بعشقِكِ حتى الفتنْ
فعودي فإنَّ الفؤادَ اشتياقًا
يناديكِ في خفقةٍ وعلنْ
فما لي سواكِ إذا أقبلَتْ
ليالٍ تطولُ ويقسو المحنْ
وما لي سواكِ إذا أشرقتْ
شموسُ الأماني وغابَ الأملْ
سأبقى أحبُّكِ حبًّا عظيمًا
ولو زادَ في مهجتي ما كمنْ
فإن متُّ شوقًا فذاك الفخارُ
شهيدُ الهوى لم يَخُنْ ولم يَهِنْ
وإن عُدتِ يومًا إلى موطني
تفتّحَ في القلبِ ألفُ غصنْ