أبني على وهمي قصورَ تأمّلٍ
وأرى الخرابَ يطوفُ بالأطلالِ
أمشي وتطوي خطوتي دربَ العنا
وأجرّ في وهجِ الأسى أذيالي
أشكو إلى صمتي جراحاً لو بدت
لشكا الأنينُ من ضَنى أثقالِ
والليلُ من حولي ستارٌ قاتمٌ
يلقي عليَّ رداءهُ المتوالِي
في كلّ منعطفٍ أرى طيفَ الرؤى
وأرى الظنونَ تسوقني لمُحالِ
وأرى المخاوفَ في الدجى مترصّداً
كالصيادِ ينتظرُ فريسة لقتالِ
لكنّ روحي لا تقيّدها يدُ
تمضي وتحيا في الفضاء العالي
تسري كأغنيةٍ على فمِ عاشقٍ
وتفيض أنغام بسحر خيالي
إن كان جسمي في قيودٍ ها هنا
فالروحُ تشرقُ في سماءِ مجالي
يا نفسُ ما جدوى السؤالِ وعمرُنا
يمضي سراعًا في دروبِ زوالِ
يمضي ويتركنا حيارى في الدجى
نحصي على الأبوابِ وقعَ ليالي
نسعى ونجهل أن غايتنا غدٌ
تغدو صدى في الريحِ بعدَ مآلِ
نرجو الخلودَ وليس من يدري
غدًا غيرُ الإلهِ مقدِرُ الآجالِ
إنّا نضيّعُ في الأماني عمرَنا
ونعيش أيّامًا برأسِ خالي
ونعودُ صفرَ اليدِّ من أحلامِنا
ونظلُّ أسرى الوهمِ والإهمالِ
لا المجدُ يُبقي صاحِبًا في موطنٍ
لو حلّ فوقَ جبينهِ الأهوالِ
والمالُ يفنى والكنوزُ تبيدُ في
جوفِ الترابِ كما تموتُ لآلئِ
والناسُ بعض الناسِ عبّادُ الهوى
في كلِّ قلبٍ نزوةٌ وضلالِ
هذا يُكبِّلُهُ الغرورُ بظنّهِ
ذاك الأسيرُ لفرحةٍ أو مالِ
ذاك الكسولُ يبيتُ عبدَ كسالهِ
والطامحُ المسكينُ عبدُ كمالِ
لا حُرَّ في الدنيا سوى من أدركت
عيناهُ أنَّ الحرَّ عبدُ الوالي
عبدُ الإلهِ هوَ الشريفُ لأنّهُ
حرٌّ من الأهواءِ والأغلالِ
أما سواهُ فكلُّ دربٍ موصدٌ
يجري بهِ نحوَ الفناءِ التالي
والموتُ وعدٌ لا مفرَّ لراكبٍ
يمشي إليهِ بخطوةٍ وعُجالِ
فهو النهايةُ لو تأمّلتَ المدى
وهو البدايةُ في طريقِ نوالِ
يا نفسُ عودي للهدى فلعلَّنا
نلقى بريقَ الحقِّ قبل وبالِ
فإذا رحلتُ فلستُ أُفني مهجتي
لكن أُضيءُ الدربَ للأجيالِ
ويظلُّ صوتي في الفضاءِ مردِّدًا
إنَّ الحقيقةَ أوسعُ الآمالِ