بكائية لياسمين دمشق محمود أسد
مرثية للشاعر الكبير نزار قباني
رحل الهزار وقلبُه موّارُ
فبكتْ عليه العرْبُ والأشعارُ
رحل الطّليق ونبضُه في نبضنا
واللّحن من أشعاره سيّار
ينعي الجمالُ مُغرّداً نسج الهوى
فغدا السّفيرَ وشعرُه نُوّارُ
هذا الضّبابُ يلفّه بجناحه
وحنان فيحاء الشّآمِ دثارُ
هذا الوليد دمشق تحضن وجهَه
والزّنبقُ الفوّاحُ والأطيارُ
هذا الوليدُ مُطرّزٌ أحلامَنا
والحلمُ حانَ ولم تخنْهُ الدّار
كلّ الخمائلِ عطّرتْ أردانها
فهو المحِبُّ وحقُّه الإكبار
وممالكُ الشّعرِ الخرابِ تمزّقتْ
وترنّحتْ وتوقّفَ القيثارُ
يبكي القصيدُ جوادَه وربيعَهُ
كيف الرّبيعُ وقد أتى الإعصارُ
لم يمتشقْ إلّا فصاحةَ بلبل
عزف البيانَ ونبعُه مغرارُ
لم يرحلِ الحسُّ الشّفيفُ. ألاترى
أ نّ البديعَ لِحسنهِ زُوّارُ؟
آهٍ دمشق فتاكِ جاء مكفّناً
بقصيده والياسمين يغار
الياسمينُ بكى رفيقَ دروبه
والأوفياءُ بحبّهم أبرارُ
جاء الحبيبُ دمشقَ دون رفيقةٍ
فبكى عليها والهوى أقدارُ
بلقيسُ: قومي للحبيب وطرّزي
ثوبَ الزّفاف فقد أتاكِ نزارُ
بيروت قد عاد المتيّم في الهوى
عاد المشاغبُ تحتويه الدّارُ
عفواً نزارُ أتيْتَنا مثل النّدى
وردُ الشّآم ملوَّعٌ محتارُ
وأزقّةُ البيتِ القديم مفازةٌ
وقبابُ مَن أحببْتَها أنوارُ
كنتَ البعيد وأنتَ أجملُ شاعرٍ
ولجَ البيوتَ وروضُهُ معطارُ
قالتْ ليَ السّمراءُ أنت معذّبي
وعذابُ مَنْ نشرَ النّدى تذكارُ
كيف الأحبّةُ يرحلون؟ وبيننا
سكن الهوى وتوطّنتْ أقمارُ
فتبخّرتْ أحلامُنا وتأزّرتْ
بالحزنِ لمّا عضّها العيّارُ
ها أنتَ في وضَحِ النّهارِ مسافرٌ
والشّعرُ في شفتيكَ كيفَ يغارُ؟
ترنو إلى الموتِ الخجولِ ملوِّحاً
والبوحُ من أحداقنا أنهارُ
خمسون من عمر الجمالِ رسمْتَها
حبّاً وتقريعاً لِيُغسلَ عارُ
دفءُ القلوبِ لمسْتَه وملكْتَه
والمبدعون لحسِّهمْ معيارُ
قلبُ الشّآمِ يضمُّ زيْنَ رجالها
فتلفُّهُ الأنفاسُ والأبصارُ
أتيْتَنا أحببْتنا حتى كبا
قلبُ القصيدِ ونبضُهُ هدّا
عبقُ البيانِ جداولٌ ومرافئٌ
قد صانها وأشادها البحاّرُ
فوق المناكبِ والقبابِ رأيتُهُ
هذي دمشقُ تهزُّها الأخبارُ
فيحاءُ قام المستهامُ مودِّعاً
برحيلهِ قد تذبلُ الأزهارُ