مِنْ أَيْنَ مَنْبِتُ هَذِي الأَحْزَانِ
وَلِأَيِّ هَمٍّ أَلْتَوِي وَأُعَانِي
أَبَدًا أُقَضِّي سَاعَةً مِنْ لَيْلَةٍ
أَحْكِي النُّجُومَ حِكَايَةَ الحَيْرَانِ
وَاللَّيْلُ مَنْهُوكُ القُوَى وَتَخَالُهُ
سَيُطِيلُ ظُلْمَتَهُ مَدَى نِيسَانِ
فَقَعَدْتُ بَيْنَ سَوَادِهِ وَكَأَنَّهُ
ظِلُّ السَّحَابِ وَمَعْدِنُ الغِرْبَانِ
كَرِبًا بِلَا كَرَبٍ وَدَامِعَ نَظْرَةٍ
مِمَّا يُحِسُّ الفَقْدَ كُلُّ جَنَانِ
وَأَرَانِي أَبْكِي كَيْ أَعْرِفَ مَا البُكَا
عِنْدِي وَمَا الشَّكْوَى فَكَيْفَ تَرَانِي؟
يَخْفَى الكَثِيرُ عَنِ الرَّقِيبِ وَإِنَّمَا
سَفْكُ الدُّمُوعِ بِدَايَةُ الإِعْلَانِ
وَأُخَالِطُ الأَحْدَاثَ لَا أَجِدُ الأَسَى
فِيهَا كَمَا أَجِدُ الأَسَى بِأَمَانِ
تُبْدِي "المَخَارِيفُ" البُكَاءَ صَبَابَةً
وَأَرَى بِ "وَادِ اللَّنْجِ" بَعْضَ حَنَانِ
وَيَقُولُ "كَافُ الظِّلِّ" رَبُّكَ قَادِرٌ
وَتَقُولُ صَبْرًا "شَعْبَةُ البِيزَانِ"
أَطْلَالُ أَحْيَاءٍ يُخَالُ غَرِيبُهَا
أَنَّ القُبُورَ هُنَا كَذَا البُنْيَانِ
لَا يَهْتَدِيهَا غَيْرُ عَاشِقِ زَلَّةٍ
مُتَحَسِّرٍ نَدَمًا مِنَ الهَجْرَانِ
أَوْ شَاهِدٍ يَوْمَ الرَّحِيلِ مُطَاوِعٍ
لِتَطَفُّلِ التَّدْلِيلِ وَالإِيقَانِ
وَلَقَدْ تَعَوَّدَ أَهْلُهُ مِنْ هَجْرِهِ
قِدْمًا بِمَا تَرَكُوا مِنَ الإِتْقَانِ
بِرَكٌ مُمَرَّدَةٌ بِلَا مَاءٍ وَأَشْجَارٌ
مِنْ الزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ
وَلَقَدْ بَلَغْتُ نِهَايَةَ الحِسِّ الذِي
بِهِ أَرْجِعُ المَاضِي وَقَبْلَ ثَمَانِ
فَرأَيْتُ أَمْوَاهًا يَقُولُ قَسِيبُهَا
كَلِمًا مُصَيَّتَةً بِغَيْرِ مَعَانِ
وَالطَّيْرُ بِالتَّغْرِيدِ تَرْجُمُ وَحْشَةَ ال
إِمْسَاءِ مِنْهُ تَفُكُّ غَيْظَ العَانِي
أَخْيَافُ أَنْعَامٍ أَحَاطَتْ تَرْتَعِي
فَكَأَنَّهَا حُرَّاسُ ذِي السُّلْطَانِ
جَادَ الرَّبِيعُ عَلَى المَكَانِ بِبُرْدَةٍ
وَضَّاحَةِ الأَشْكَالِ وَالأَلْوَانِ
حَرَمٌ وَلَا تَأْثِيمَ فِيهِ وَلَا أَذَى
صَقَلَتْهُ أَيْدِي حَاذِقٍ فَنَّانِ
وَكَأَنَّمَا وَضَعَتْ نَسِيبَةُ قَبْسَةً
مِنْ حُسْنِهَا فِي رَبْعِهِمْ فَعَنَانِي
فَتَرَكْتُ نِصْفَ القَلْبِ خَارِجَ بَيْتِهِمْ
مُتَمَتِّعًا وَحَمَلْتُ نِصْفِي الثَّانِي
هِيَ مِثْلَمَا شَاهَدْتُ أَوَّلَ مَرَّةٍ
لَكِنْ أُصَوِّرُهَا بِلَا إفْتَانِ
ذَاكَ الجَوَى إِنْ لَمْ تُزَّوِّدْ نَظْرَةً
مِنْهَا لِيُمْحَى الشَّكْلُ فِي الأَذْهَانِ
وَأَرَاهَا رَبَّتْهُ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ
يُهْدَي إِلَيْهَا الحُسْنُ بِالإِحْسَانِ
أَوْ أَنَّهَا تَصْطَادُهُ فِي نَوْمِهَا
وَكَذَاكَ أَخْبَرَنِي رَقِيبُ الجَانِّ
ثَبَتَتْ عَلَى العَيْنَيْنِ نَظْرَةُ أَعْيُنِي
فَغَدَا بَيَاضُ الحُسْنِ ثَمَّةَ قَانِ
أَمْضَى عَلَى الخَدَّيْنِ رَهْفَةَ قَلْبِهَا
وَشْمًا وَوَقْعَ ثَغْرُهَا بِهَوَانِي
وَلَقَدْ تَلَامَسَتِ الأَكُفُّ فَضَلَّ مَنْ
حَسَدَ فَمِي يَتَرَشَّفْنَ بَنَانِي
وَوَلَجْتُ يُكْرِمُنِي المَقَامُ وَرَبُّهُ
وَخَرَجْتُ يَعْذِلُنِي الرَّفِيقُ الدَّانِي
لَا كَالتَّشَوُّقِ ذَا عَنَاؤُكَ وَالهَوَى
مَا لَنْ يُعَرِّفَ وَصْفَهُ الثَّقَلَانِ
مَا أَبْعَدَ الغَدَ مِنْكَ وَالغَدُ أَقْرَبٌ
لِلْغَافِلِ اللَّاهِي وَلِلسَّكْرَانِ
وَتَقُولُ كَمْ فَأَقُولُ بَلْ هُوَ أَبْعَدٌ
فِي المَيْلِ مِنْ "فَاسٍ" إِلَى "لُبْنَانِ"
لَوْ شَاءَ يَوْمُ الحُبِّ قَسَّمَ بَيْنَنَا
حُبًّا فَأَعْطَاكِ الذِي أَعْطَانِي
لَكِنَّهُ وَجَدَ الفُؤَادَ هَشَاشَةً
فَعَلَاهُ بِالأَشْوَاقِ وَالأَشْجَانِ
عَلِقَتُ لِأَنِّي مَادِحٌ وَمَدَحْتُهَا
فَإِذَا تَرَكْتُ المَدْحَ قَدْ تَنْسَانِي
يَا لَيْلُ أَيْنَ مَكَانُهُمْ وَدَلِيلُهُ؟
بَلْ أَيْنَ مَاضِيهِمْ وَأَيْنَ زَمَانِي؟
بِالأَمْسِ فَارَقْتُ الحِمَى وَأَنَا عَلَى
حَالِي وَعُدْتُ وَ هَا أَنَا بِمَكَانِي
ذَهَبَ الجَمِيعُ فَلَيْسَ فِيهِ سِوَى أَنَا
وَأَنَا ذَهَبْتُ وَقدْ تَرَكْتُ لِسَانِي