لآفلو حفاوة حظ الإيابِ
إذا عُدْت من بعد طول الغيابِ
مدينة دربي أعود إليها
حزينا فأهدأ بعد اضطرابِ
فتحضنني إن رجعت بشوق
وفي سرها همسات العتاب
فحبي لها ساكن في الضلوع
كسحر أتى القلب من كل باب
كباب التي لاسمها من وشوم
نقوش على الصدر منذ الشباب
أجول بأحيائها كالغريب
وأسأل نفسي وما من جواب
فهذي الأزقة مثل الخدوش
سطور من الطمي فوق التراب
وتلك البيوت على حالها من
قديم كرسم بذيل كتاب
كأن لها للقديم وفاء
لتحفظ ما قد مضى من عذاب
فهذا الشتاء وزُرْقُ الرياح
غدت للفقير أشد عقاب
فما من مقام يطيب ولكن
رفاقا تراعي وطيب انتساب
وحسب المقيم إذا حل صيف
يزيل الهموم وكل اكتئاب
فكل بعيد يعود إليها
سعيدا فيعجب في شهر آب
بجو لطيف وعذب المياه
من المعدن الصِّرف مثل الرضاب
وأعراس أهل المدينة نالت
من الحظ ما لم يكن في الحساب
فموكب عرس أتاك عجولا
وآخر لف مدى في الذهاب
وساحة مرج المدينة غصت
غداة احتفال بخيل الهضاب
فوارس فوق جياد تباهت
بصفر السروج وبيض الركاب
وتلك العذارى وإن هي أخفت
محاسن طي لحاف الحجاب
تُشد إليها عيون الرجال
وسحر اللحاف بليغ الخطاب
بياض وصفرة وشي اللحاف
حرير تَمَلَّصَ حول الرقاب
فعين يغطي وأخرى تجلت
سريعا وشعت كجر الشهاب
ولم يلتبس عن رؤاها بعيد
فتعرفه دون أي ارتياب
وترسل من عينها ومضات
كبرق تلألأ بين السحاب
فيا سائلا لا تلمني فإني
أرمم قلبا ثمين الخراب
فكل الذي قد رأينا جميل
نغازله رغم طول اغتراب
فمالىَ أذكر ما قد تولى
من الدهر حين انفضاض الصحاب
ولم تبق إلا الظلال وكانت
عهودا حسانا مضت كالسراب