نيلانِ قد ضمَّتْهُما كفُّ الصَّفاءِ سُدا
فأقْسما أن يفيضا بالهُدى أبَدا
من منبعيهِمْ تدفَّقتْ حكَمُ الزمانِ كما
يجري النَّقاءُ بأرضِ الخَيرِ مُتَّحدا
كم غسَّلا من جراحِ الأرضِ أدمُعَها
حتى غدَتْ بسنا الإيمانِ مُعتمَدا
يا مَهبطَ النورِ في عينيك مَفخرةٌ
وفي ثراكَ سريرُ العدلِ مُتَّكِدا
تاهتْ خطاكَ على الدنيا فكنْ عَلَما
للعاشقينَ هُدىً، للمُبتلى مَسَدا
والدهرُ يشهدُ أنَّ النيلَ ما برِحَتْ
أمواجُهُ تحملُ الآياتِ والمجدا
كم أبحرَ الحرفُ في مجراهُ مُغتسِلا
حتى طهُرْنا من الأوهامِ والسُّدَدا
أرضُ الكرامِ التي أهدَتكَ قافلةً
من الأنبياءِ ومن أخلاقِهم رشَدا
في حضرةِ النيلِ قد نامَ الزمانُ على
وترِ الخلودِ، فأحيا الحُلمَ والبلدا
والشمسُ في كفِّك العليا إذا انكسفتْ
أشرقتَ أنتَ، فأزهرْتَ الربى وغَدا
يا منبعَ الطهرِ، والأرواحُ شاخصةٌ
إلى ضفافِكَ تستجديكَ ما وُعِدا
ما زالَ نهرُك يغذّي كلَّ قافيةٍ
حتى تصيرَ كضوءِ الفجرِ منفردا
إن كانَ في الأرضِ ما يُبقي على أملٍ
فإنَّ فيكَ وميضَ الحُبِّ مُفتقَدا
يا غارسَ العدلِ في أحشاءِ قافيتي
كيفَ انتزعتَ من الظّلماءِ ما فُقِدا
والريحُ تَحملُ من أنفاسِك العَبِقا
فتورقُ الأرضُ، لا صحراءَ لا بَلَدا
إني رأيتُك في أحلامِنا عَلَما
يمشي الملوكُ إلى أعتابِه سُجَدا
ما بينَ عينيكَ تاريخٌ يُقَصُّ لنا
عن الأناملِ إذ تبني لنا المجدا
والحرفُ من مائك العذبِ استقى نَغَما
فصارَ في كلِّ وادٍ يزرعُ الغيدا
والعاشقونَ على شطآنِك اتَّحدوا
كما اتَّحدتَ مع الأرواحِ والجَدَدا
نيلانِ قد صاغا في الروحِ ملحمةً
من الوفاءِ، فلا خوفٌ ولا كمدا
يا جسرَ ما بينَ ماضينا وغارِسِهِ
في غدِ الزمانِ لكي نَلقى به الرَّغَدا
كم من شهيدٍ على شطآنِك ارتشفَتْ
عيناكَ من دمِهِ الذَّهبيِّ ما زِيدا
حتى غدوتَ كتابًا في ضميرِهمُ
يُتلى إذا انطفأ التاريخُ أو جَمُدا
لكَ السلامُ إذا ما الفجرُ لاحَ لنا
ولكَ السلامُ إذا ما الليلُ قد رَقَدا
نيلانِ فيكَ وفي عينيكَ معجزةٌ
تبقى على عرشِ هديِ اللهِ مُتَّسِدا