إليكَ وإلاّ يا تُرى أين أذهبُ؟
فلم يبقَ إلا أنت في الأرض كوكبُ
لئن ضاق وجهُ الأرضِ واسودَّ أُفْقها
ففيك لنا صورٌ من الأرضِ أرحب
وإن أجدبَتْ سُحبُ السماء وأمحلَتْ
فأنت سحابٌ ما رأيناك تُجدب
وإن صارتِ الدنيا علينا صواعقًا
فأنت لنا منها ملاذٌ ومهْرَب
وكيف أُبالي بالخطوب وأنتَ لي
أمانٌ ترى فَلَكَ الخُطوبِ وترقب
ولولاك لم يثبُتْ جَناني بموقفٍ
رهيبٍ يخافُ الشعبُ منه ويهرب
ولما دهاني الأمرُ بالنَّفيِ أصبحَتْ
بقيَّة روحي بالمُصاب تُكذِّب
وما هو إلا أن علا الخَطْبُ وجهُه
وأقبل يومٌ كالدَّياجي مُقطِّب
فكنتُ كأن الموتَ أرخَى مطيَّتي
لعلِّي بها أدنو إليه وأقرب
وسرْتُ كأنِّي ميِّتٌ قام ذاهلاً
من القبر يُرمَى للجحيم ويُسحَب
كأن فِجاجَ الأرضِ قبرٌ، كأنني
دُفنتُ به حيّاً أنوح وأندب
كأن فراغَ الجوِّ لَهْوةُ ضيْغمٍ
كأن شُعاعَ الشمس في الأُفْق مِخْلب
كأنيَ في كفِّ الردى أقطع الفَلا
كأنيَ إذ أرجو السلامةَ أشْعَب
فتلك وليَّ العهد إحدى نوائبي
أُحدِّث نفسي اليوم منها وأعجب
وكم لِيَ مُذْ فارقتُكم من كوارثٍ
أشدُّ من الأهْنومِ هوْلاً وأصعب
مقاديرُ أجْزتْني على البُعد شَقْوةً
كذلك يُجزَى الآبقُ المتهرِّب
وما الأرضُ إلا السجنُ إن لم يكنْ بها
بسُدَّتكَ العليا مكانٌ مُقرَّب
وما الكونُ إلا الغارُ عندي إذا بدا
لنا منك لَحْظًا في مُحيَّاك مغضَب
ملكتَ القلوبَ الشارداتِ فأصبحتْ
بكفِّك تحيا أو بكفِّك تُعطب
وها هو قلبي ذائبٌ في يراعتي
أتاكَ من استِحْيائه يتصَبَّب
ولم يكْفِه فيْضُ المِداد فأصبحَتْ
سُوَيداؤه في الطِّرْسِ تُملَى وتُكْتب
تُسائل ما شَانُ الوشاةِ وشأنُه
وما بالُهم صالوا عليه وأجْلَبوا؟
وفَتِّشْه هل تلقى به من مكيدةٍ
كما أخبر الواشون عنه وأطنبوا؟
وهل نقموا مني سوى النُّصحِ والوَلا
وأني في حبِّي لكم مُتعَصِّب؟
وأنت خبيرٌ بالقلوب تكاد أن
ترى القلبَ إذ يهفو إليك وتجذب
ولكنَّ أمرًا غِبْتَ عنه تراكمتْ
عليه رياحٌ دونها الشمس تُحجب
ورأيُ أميرِ المؤمنين موفَّقٌ
وإن كان فيه ما يهولُ ويُرعب
فإن كان تنكيلاً فخيرُ مُنكِّلٍ
وإن كان تأديبًا فنِعْم المؤدِّب
لبستَ رداء الحلْم عني فأصبحتْ
لسانيَ بالشكوى تقولُ وتُعرب
وإني أنا الجاني ولكنَّ مِقْوَلي
عنيدٌ أروم العدلَ منه فيغضب
جعلتُ القوافي مسْرَبًا لمدامعي
فكادتْ بُيوت الشِّعر بالدمع تخرب
وأصبحتُ فيها مُذنبًا متعصِّبًا
ولم أرَ قبلي مُذنبًا يتعصَّب
سجيَّةُ أبناءٍ صغارٍ تصارحوا
ذِلالاً إذا ما عاد من غيبةٍ أب
نزلْتُ إلى الدنيا فألقَتْ خطوبَها
عليّ كأني قبل خلقيَ مذنب
وما زلتُ ألقي حنَّةً إثر مِحنةٍ
على إثْرها أخرى تُخيف وتُرعب
إلى أن تجلَّى نورُ وجهِك مشرقًا
كأنك رضوانٌ بوَصْلي يرحِّب
هنا فلْيولِّ الخطبُ غضبانَ آسفًا
فإنك سيفٌ دون عبدِكِ تضرب
ولم يبقَ مني للنوائب مطمعٌ
وقد لاحقَتْني نحو عَرْشِكَ عقرب