لا عينَ غرناطةٌ ولا أثرُ
دُلْتِ فهيهات تنفع الذِّكَرُ
أهكذا النسرُ بعد رفعتهِ
إلى حضيض الهوان ينحدر؟
تاللهِ والدهرُ دار دورته
هل مستتِبٌّ لأمةٍ ظفر؟
عابوكِ لما عدت مُحمحمةً
فيك جيادُ الأعارب الضُّمر
كل الحضارات في براءتها
بدوٌ وفي أوج عزّها حضر
تُورق بين الرماح غرستُها
وفي ظلال السيوف تزدهر
لله بدوٌ أورت عزائمَهم
نارٌ بقلب الصحراء تستعر
ربيعةٌ زوَّدتهمُ أسلاً
وأوفدتهم خلف العلا مضر
يا سائلَ البدو عن حضارتهم
يُنبيك عنها الصُّوّانُ والحجر
فاستنبِ أشبيلِيَا وقرطبةً
تُجِبْك تلك المعاهد الزُّهُر
لهم حديثٌ لدى طُلَيْطلةٍ
وعند غرناطةٍ لهم خبر
تاللهِ قصرَ الحمراء لا برحتْ
ترويك منا المدامع الحُمُر
أنت على الشرق عَبرةٌ بقيت
في مقلة الغرب كلها عِبَر
كل فخارٍ لديك مُدَّخَرٌ
صنعُ الأُلَى خلّدوك واندثروا
أبوابك الزُّهْرُ من فتوحهمُ
خُطَّت عليها الآيات والسُّور
حروفُ مجدٍ في روقكَ اعتنقتْ
كأنهنَّ الرماح تشتجر
من فنّهم رفَّهوك في بُرُدٍ
بها تتيه السقوف والجُدُر
فسيفساءٌ بالوشي حاليةٌ
يكاد يشتفّ لونَها البصر
لم يخلعوها عليك من خَزَفٍ
كلا ولا شاب أصلها مَدَر
لكنها من قلوبهم قطعٌ
ومن بقايا سيوفهم كِسَر
يا ساحةَ الأُسْدِ ليس من أُسُدٍ
فيكِ فيحمي حياضك الذُّعُر
أصنامها هذه فأين همُ؟
أُسْدٌ إذا دِيس ذيْلُهُم زأروا
أيُّ عويلٍ في القصر منبعثٍ
والليلُ فوق القباب معتكر
ما تلك جِنٌّ في الدار عازفةٌ
ولا شكاةٌ يبثّها الشجر
لكنّ في ساحها صراخ دمٍ
أبرّ أبنائه به كفروا
ما زال يبلو بالخلف بعضهمُ
بعضًا إلى أن عراهمُ خَور
ما نفعُ باعٍ تطول حاملها
إن كان فيها عن غيره قِصَر
جسرٌ إلى الغرب مدّه نفرٌ
وهدّه عن جهالةٍ نفر
كذاك تنهار كل مملكةٍ
ينوء بالتاج عرشها النَّخِر
أراكِ غرناطةٌ مروّعةً
تنعى إليك المدائن الأُخَر
لآلئٌ ينفرطنَ واحدةً
من بعد أخرى والعِقد ينتثر
حتى إذا ما وقفتِ خائرةً
وحدك لا نبلةٌ ولا وتر
هويتِ والمجدُ قبل مصرعهِ
ودَّعَ قومًا من حولك اندحروا
ذلك مجدٌ حضَنْتِهِ زمنًا
واغتاله فوق حضنك القدر
فكنتِ غرناطةٌ على فمه
آخرَ ما قال وهو يُحتضَر