إلى مدينةالقلاع والشموس
أنا اليمنْ .
تقولُها صنعاءُ ملء فمها ،
تقولُها عدن .
تقولُها السهول والهضابْ ،
تهتفُها التلال ، والمروج ، والشعاب .
تقدحُها حناجر الشبابْ ،
ترسمُها الآمالُ ،
فوق الأعيُن الباسمةِ الكحيلةْ
تعزفها الطّفولة ابتهالاً ،
ترفعها السواعدُ الأصيلةُ ، الأصيلةْ .
أنا اليمن ،
تنطقها الرمالُ، والشجرْ .
ينقُشها الكتابُ ، والترابُ ، والحَجَرْ ،
تطبعُها الجذورُ قَدَراً ،
على وجوهنا ، وفي ملامح الصورْ .
تنظمها البلادُ، باقةً ، قصيدةً ،
يعزِفها النباتُ ،
في مسامعِ المطرْ .
وانهمرتْ أقدامُنا ..
إليكِ يا مدينة القلاعِ والشموس ،
يا عَدن .
إليكِ يا مدينة البيارق المضيئةْ .
من اليمن ،
تدحرجت قلوبنا ،
إلى اليمن .
هناك حيث انتصبتْ قافلةُ الدهور ،
واعتلتْ سلسلةُ المنابر المجيدة .
وانطلقتْ من شَفةِ البحرِ ،
أناشيد الولاءِ لليمنْ .
كان هَوَاكِ، خَبراً ،
يلهثُ في الخيال ،
كان وعداً أخضراً ،
معطراً بالولَهِ القديم ، هاجساً ،
يَشُدَّني لموطنِ الجُرح الذي يخرجني
من الظلام ،
نجمةً بهيةً ،
تنقُشُ في بُروجها تجاربي ،
ترسِمُ وعدي ،
بهجةً ، وبسمةً ، وأقحوان .
رأيتها نيلوفراً ،
يطفو بمرآةِ السماء ،
زهرةً ناطقةً كالعُودِ ،
كالعنقود ِ،
كانبثاقِ الوردةِ الفاحمةِ ، الجريئةْ .
وكانعطاف جسَدِ الوليدِ ، حول أُمِّهِ ،
تدورُ، قلباً أزرقاً ،
في كفَّةِ الخليجِ، دافقاً ،
زنابقاً ، وزعفران .
ينطلقُ التاريخُ من فوهتها ،
مشَاعِلاً ، مشَاعِلاً ،
وتغزلُ الجبالُ شعرها ،
ضفائراً ، ضفائراً ،
وتنقشُ السحابُ في سمائها ،
بيارقاً .. بيارقاً ،
على طريق ذي يزنْ .
إليكِ يا نمانِم السواحلِ المضيئة ،
إليكِ يا مَجَرَّة الشُّموسِ والمياه ،
يا فَرَاشَةَ الخليج ،
أقلعتْ ركائبي .
إليكِ يا منارةَ الوصول ،
يا عبارةَ اللقاء ،
أمدُّ أذرعَ الحنين ،
مرةً ومرتين .. ألف مرةٍ ،
وأفرِدُ الجُسورَ من أصابعي ،
وامتطي جوانحَ الفؤاد …
يا عدن .
إليكِ ألوي فَرَسِي ،
أحملُ صنعاءَ معي ،
أحملُ غمدانَ ، وعيبانَ ، الأشمّ ،
بحنايا أضلعي
أحملها إبُّ التي أعشقُها،
في بصماتِ إصبعي .
أحمل أرض الجنتين ، والسدود ، والقلاع،
بين أذرعي
إليكِ ألوي فرسي ،
وانثنى إلى حبيبةٍ ، تُشرقُ، من دمي ،
تُولَدُ، من عبارتي ،
توحي إليَّ بالجَمَالْ ،
أقرأُ في عُيونها ، مسافتي ، مساحتي ،
أسمعُ في أعماقها ،
أغنيةَ الوطنْ .
لكَ البقاءُ …
يا بهيّة َالمساء ،
يا دافئة َالمشاعر .
يا رئة المحيط ، يا هديَّة المَحارِ ،
يا أنشودة الخصوبة الجديدة .
كيف هجَرتِ قُبلةَ الوفاء،
وانطويتِ جانباً ،
كيف نَسِيتِ قصةَ اللقاء ،
واحتكرتِ وحدكِ الصعود ،
من خاتمة القصيدة
كيف نَسَجْتِ مسرح الحضور ،
من أجنحةِ القوارضِ العنيدة ،
ونحنُ ، والصقور ،
في شواهق الجبال ،
نَزرعُ الرجاء ،
لم نزلْ ، نَجُسُّ باليدين ،
صفحة السماء
ونبصقُ الكلام في الهواء
والنائمونَ يصرخون ،
يا حجارنا إركبي ،
وتصرخ ُالسماء ،
وأنتَ يا إنساننا ، أفِقْ ، …
لكنهُ لا يسمع النداءْ
يا لهفة الجبالْ ،
يا مشاعل الرمالْ ،
إنطلقي ، تصاعدي ،
تحسّسي مواطن الكمالْ .
ارتفعي إلى منابع الجداول الحزينة
وكحِّلي جبالنا ،
ونظّفي وجوهنا من الترابِ ، والعنادِ ،
حرِّكي أقدامنا ،
تفتحي سنابلاً ،
واحتضني القريب ، والبعيد،
دحرجي جوهرة الضياءِ ، في العقول ،
تمّحي أبخرةٌ ، تعتسفُ الأصالة ،
ويرجع الرديف ، في أهازيج البقاء ،
في أشرِعةِ البُلوغ ،
في إنشودة الخصوبة الجديدة ،
إنشودة الشباب ، والتراب ، والوطن
صنعاء، تخِيْطُ كُسوة الزفاف ،
وتنظم ُالقلائدَ البنِّيةَ المكحولةَ الرموش ،
تُحيِي زفاف أختها،
أميرة السواحل ،
تزفُّها إلى ممالك البحار ،
إلى مشارف البهاء ، والبخور، والبهارْ
أنتِ التي ستحملين مجدها ،
وتلبسينَ وجهها ،
إلى ضفافِ الزمن المضئ ،
وتَرْجِعُ القلادةُ ، الأسطورةُ ، الحضارة ،
وَيَرجِعُ العقيق
رأيتُهُ، في قبضةِ العُقابِ عائداً ،
وفي جناحِ اليمنِ القادمِ ، قُرصاً كاملاً ،
رأيتهُ ، في موكب الهتاف والنشيد :
(بروحنا ، بدمنا ، نفديكِ يا يمنْ ،)
لوطنِ المستقبل المجيد ، شيِّدي ،
ليمن السلامِ ، والنماءِ ، والخلود ، جدّدي ،
يا مرفأَ الأصيل ،
يا رُموشَ الوطن الجميل ،
يا … ...
مُقلةَ اليمنْ .