دارَ «القُرَيَّةِ» قد كان الذي كانا
فشارِفي غيرَه واستبشري الآنا
عهدُ النوى والأسى والكارثاتِ مضى
وغالياتُ الأماني عهدُها حانا
دَجَتْ لياليكِ حتى قيل ليس لها
فجرٌ وظُنَّ الدجى للحَشْرِ يغشانا
فهلِّلي وقدِ انجابتْ دياجِرُه
كالطير تبعثُ في الأسحار ألحانا
ولْتَغدُ صفواؤُكِ الدكناءُ راقصةً
من المسرَّةِ والأعواد عيدانا
رقصًا فما ناظرٌ يدري لحَيْرته
أيشهدُ الصخرَ ميّادًا أمِ البانا؟
تنفَّسَ الصبح في أنفاسه فرَجٌ
إنا نحيِّي الذي بالبِشْر حيّانا
صبحُ السلام وتحريرُ البلاد بدا
من بعد أن طال في الظَّلْماء مَسْرانا
لك الهناءُ عليك الله رَدَّ فتًى
إلى رِباعِ المعالي قاد فتيانا
فتًى شمائلُه في عَرْفِ عارفِها
تُغنيكَ أن تكتسي وردًا وريحانا
فتًى مجاهيدُه من أجل أمَّتِه
في جِيدِها سطعَتْ درّاً وعِقْيانا
فتى العروبةِ مُوري زَنْد نهضتِها
ورمزُ فطرتِها بأسًا وإحسانا
رُجْعاه كالنصر معقودًا بها اغتبط ال
أحياءُ منا وتحت التُّرْب موتانا
وفي دمشقَ وفي الشهباءِ من فرحٍ
ما فيك أو في «السُّوَيْدا» أو سُويدانا
«سلطانُ» عاد قلوبُ العرب تخْفرُه
ضُمِّي لصدرك ضَمَّ الأمِّ سلطانا
حتى عروشُهمُ اهتزَّت له جذلاً
والجالِسون عليها الصِّيدُ مَلجانا
«عبدُالعزيز» و«غازي» و«الإمامُ» فدًى
لهم وللعُرْب أدنانا وأقصانا
لئن ألمَّتْ مُلمّاتٌ هُمُ سَنَدٌ
أمُّ القُرى أختُ صنعاءٍ وبَغْدانا
أولاكِ يا دارُ من أنجبْتِه شرفًا
قد فاق من سَمَكُوا في الشرق إيوانا
جهادُه سِفْرُ أعمالٍ مُمجَّدةٍ
على الزمان ولم تُوصَمْ بما شانا
لم يدَّخرْ جهدَ جبّارٍ أخي ثقةٍ
ومن كسُلطانَ من ضحَّى ومن عانى
للهِ كم حُرمَتْ أجفانُه سِنةً
فبات يرتقبُ الأحداثَ يقظانا
كالسيفِ منتقلاً بين النحور إذا
أخْلى مجالاً أتى للكرِّ ميدانا
ما انفكَّ مندفِعًا طورًا ومُرتقبًا
حتى أعدَّ للاسْتقلال أركانا
يا قريةً حَسَدتْها كلُّ حاضرةٍ
وكلُّ باديةٍ صبرًا وإيمانا
أنت العرينُ إذا الضِّرْغام لازَمَه
وأنتِ أنت إذا ما حقبةٌ بانا
أمّا خرائبُكِ السوداءُ قائمةٌ
على الوفا والجهادِ الحقِّ برهانا
ما ضَرَّها أنها لا تحتوي تُحَفًا
ولا قصورًا ولا زَهْوًا وعمرانا
فكلُّ ما قَوَّضوه من معالمها
أمسى خطيبًا بَعيدَ الغورِ مِلْسانا
أبا العَوالي من الخَطِّيَّةِ اعتدَلَتْ
ومن عزائمَ عُدَّ الخَطُّ مُرّانا
ملءَ المسامع والأذهانِ كنتَ لنا
واليومَ تملأ أسماعًا وأعيانا
مثَّلتَ أفضلَ ما للعُرْب من شِيَمٍ
وعُودُك الصُّلبُ للأهوال ما لانا
كم وقفةٍ لك تحت النقْعِ ما برحَتْ
للازدِراءِ بهَوْلِ الموت برهانا
تهمي القنابلُ وَبْلاً حيث تحسَبُها
لفَرْطِ بأسك تُفّاحًا ورمّانا
و«التَّنْكُ» هل دفعَتْ عنها مدافُعها
وقد حملْتَ شديدَ الوَطْءِ غضبانا
على عُقابٍ جناحاها قوائمُها
بمثلِها تفضحُ الأفراسُ عِقْبانا
ما إن ذكرتك حتى قام في خلَدي
جهادُ أبطالنا رَجْلاً وفرسانا
أنصارُكَ الشُّوسُ هم لما دعوتَهمُ
لبَّوْا نداءَك أنمارًا وبِيزانا
شُبّانهم شيَّبَتْ حَملاتُهم لممًا
وشِيبُهم زاحموا في الرَّوع شُبّانا
صبُّوا ببوتقَةِ الإخلاص أنفسَهم
فأوجبوا لقضاء الحقِّ أذهانا
وأنت قائدُهم أو أنت قُدوتُهم
أغرُّ يهدي إلى الغايات غُرّانا
وها فرنسا التي ناوَأْتها زمنًا
قد حكَّمتْ بعد حكم الفتح وجدانا
فأطلقَتْ لك سوريّا مُحرَّرةً
صنيعُها الحرُّ أرضاها وأرضانا
كان الفرنسيسُ أعداءً تُكافحُهم
فأصبحوا لك أحلافًا وأعوانا
أقصَوا أغِرَّةَ قومٍ عن معاقلهم
ولم يَمَسّوك إن الله قد صانا
وقائعٌ رُوِيتَ فيهنَّ أخيلةٌ
للبعث، لولا الرُّؤَى ما كان أشقانا
منها خيالُ «هشامٍ» في جلالته
وها هنا هاشمٌ مِصْداق رؤيانا
بَنَتْ أميةُ ما شاء المضاءُ لها
فهل تُقيم على الأنقاض بنيانا
لعل أيّامَها ترتدُّ مُقبلةً
وابنُ الوليد منيبٌ عنه أقرانا
يا ابنَ الميامينِ من تُنمى لأسرتهم
طابوا أصولاً عريقاتٍ وأغصانا
يعظِّمُ الناسُ منهم خمسةً نُجُبًا
تفوَّقوا في رهان الفضل أزمانا
شِبْلي ويحيى وإسماعيلُ قبلهما
من قارنوا النجمَ وَهّاجًا وذوقانا
هم الأطارشةُ العُليا مكانتُهم
مذ أبلَغُوا الذرواتِ العُصْمَ حَورانا
هذا الأشمُّ الذي أرباضُه أَجَمٌ
للأُسْدِ لا زال بالآساد ملآنا
هذا الأشمُّ إذا جفَّ الوجود فما
ينفكُّ من كوثر الأخلاق ريّانا
لك التحيةُ من قوم أمثِّلُهم
قد أخلصوا لك إسرارًا وإعلانا
إخوانُ صدْقٍ وراءَ البحر قد نزلوا
فيا رعى الله عبْرَ البحر إخوانا
يُصافحونك إعجابًا وإن بعدوا
فإنما أنت تلقاهم بلُقْيانا
همُ دعائمُ «سوريّا الجديدةَ» في
ديارِ كولمبَ قد أعلَوْا لها شانا
لم يكتفوا بالذي ضَحَّوا ولو قدروا
ضحَّوا بأنفسهم للعزِّ أثمانا
حمراءُ أحمدَ تُشرَى حيثما عُرضَتْ
ولو تقاضَتْ دمًا كالغيث هتّانا
شتّان ما خاذلٌ للحق عن مرضٍ
نفسي ومعتصمٌ بالحقِّ شتانا
بعضُ النفوس إذا اشتدَّ الزمان لها
تضعضَعتْ ورأت في الصبر خُسْرانا
تُراود الغُنْمَ لكنْ غيرُ ناهضةٍ
كأنما المرء يُؤتَى الغنمَ مجّانا
ناهيك عن نفرٍ قد كان ديدنُهم
تَهجينُ نهجِ السّوى كيدًا وخذلانا
لا يأنفون إذا أوهامُهم زخرَتْ
أن يتركوا الشعب تحت النِّيرِ عُبدانا
عابوا على الوفْدِ ما لو يظفرون به
لزحزحوا الأرضَ إطراءً وطغيانا
قالوا التّراضي عيوبٌ لا امِّحاءَ لها
ضلُّوا فظنوا سوادَ الشعبِ عُميانا
كأن في الطَّوْقِ دفعَ الأجنبيِّ إلى
غَواربِ اليمِّ بادي العجْزِ حيرانا
هذي القضيةُ لا تخفَى فننكرها
وعندنا غيرُ هذي من قضاياها
إن لم نكمِّلْ مع الأيام عُدَّتَنا
من كل وجهٍ غرِقْنا في بلايانا
ليت الأُلى سَدَروا في وَهْمِهم صمتوا
فالصمتُ أحزمُ مهما ذُمَّ أحيانا
أهلُ المطامع كُثْرٌ حول موطِنِنا
وقد أثاروا على الأطراف عدوانا