تخطَّ إلى المحتوى

أخاف على نفسي غوائل أيامي

الطويل

٢٥ بيت

الزهد

أخافُ على نفسي غوائلَ أيّامِي

كما خافَ ضلُّ البيدِ لفحَ الهباءِ

ولستُ بشقيٍّ غير أنّي مُروَّعٌ

من العمرِ إن جارَتْ بهِ الأنواءِ

رأيتُ الليالي لا أمانَ لعهدِها

تُضلُّ فتى الأحلام بين الشقاءِ

وما العمرُ إلا بارقٌ في سرابِه

تراهُ عيونُ الظمءِ مثلَ الضياءِ

يُريكَ اللآلي في ابتسامِ شعاعِه

ثم يُورِدُ القلبَ مواردَ العناءِ

أهوى العُلا لكن قلبي مُكدَّرٌ

إذا لاحَ برقُ المنى في الفضاءِ

إذا الليلُ أرخى السودَ فوقَ جناحه

تبدّى انكسارُ الروحِ مثلَ الفناءِ

وسارتْ همومُ الدجى في عظامي

كسيرِ الرياحِ على صخرِ جفاءِ

كم فتىً تهاوى في متاهاتِ قومِه

فضاعَ كما ضاعَ الضبابُ وراءَاءِ

وكم نفسَ حرٍّ قد تكسّرَ مجدُها

إذا وطئتها وطأةُ الأقفياءِ

رأيتُ المنى تُغري القلوبَ بزيفِها

وتطعنُها عندَ تمامِ اللقاءِ

وما طلبُ الدنيا سوى قبضةِ هوى

تريقُ دمَ الآمالِ يومَ الرخاءِ

فيا أيّها العمرُ الثقيلُ تمهّلِ

ولا تجعلِ الأحلامَ طعمَ الشقاءِ

دعِ القلبَ يمضي في طريقِ عزيمةٍ

ففي الصبرِ مفتاحُ العُلا والعلاءِ

وإن خانني دربُ الحياةِ بخطوه

ثبتُّ كما ثبتَ الجبالُ على الماءِ

أقاومُ موجَ الهمِّ في كلِّ عاصفٍ

وأبني من الآهاتِ درعَ الوقاءِ

فقلبي وإن زلّتْ بهِ كلُّ نكبةٍ

يعيدُ قواهُ كالصباحِ المضاءِ

وما اليأسُ إلا طيفُ وهمٍ مُزلزلٍ

إذا لاحَ برقُ الصبرِ ماتَ اختباءِ

أقولُ لنفسي حين تُظلمُ ليلُها

تشبّثي بالحقِّ لا بالرجاءِ

ففي الحقِّ نورٌ لا يضلُّ بصيرُهُ

وفي الزيفِ بحرُ التيهِ والعماءِ

ألا إنما الدنيا متاعُ غرورِها

تُبدّدُ أحلامَ الفتى كالهباءِ

فخذ من زمانِك ما يُقيمُك قوّةً

ودع ما يجرُّ القلبَ نحوَ الفناءِ

إذا ضاق صدري من صروفِ حوادثٍ

ذكرتُ بأن الصبرَ بابُ السماءِ

فلا أركننَّ لليأسِ مهما جرى الأسى

ولا أتّبعُ دربًا إلى الانطفاءِ

سأمضي وفي صدري سراجُ عزيمةٍ

يضوءُ وإن لفّتْهُ ريحُ الشتاءِ