تخطَّ إلى المحتوى

أتدري أن أسوأ ما في الرحلة هو أن تظل عالقا

غير معروف

١٤٨ بيت

المتفرقات

أتدري أن أسوأ ما في الرحلة هو أن تظلّ عالقًا،

حيث تبدو كلّ الأشياء مستقرةً وهادئة،

لكنها لعنةُ الأشياءِ والأماكنِ الدافئة؛

لعنةُ الخوفِ من الهزيمة أو الخسارة،

خوفٌ يذيقك كلَّ لحظةٍ من أنهار المرارة،

الموتُ على أسوار المعارك

خيرٌ من موتِ الأحلام نائمةً تحتَ السنابك.

ضاقت بي الآفاقُ المتسعة،

ولأوّلِ مرةٍ يضيقُ صدري.

كم هزمتني الأشياءُ مرارًا،

ولكنّ صدري لم يضق أبدًا.

أرهقتني المعاركُ الصغيرةُ حدَّ الاختناق.

يا ترى، كيف تنجو الأسماكُ حين تشعرُ بالغرق؟

بعضُ الأشياءِ لا مفرَّ منها ولا بديل.

أتعلم؟ أني لم أُقتل من ضرباتِ البنادق،

ولكني هُزمتُ بتلك المعاركِ الصغيرة بين الخنادق.

تلك نهايةُ المحاربين بعد ليلٍ طويل.

ما أجمل أن تستديرَ الأشياءُ الجميلةُ

بابتسامةٍ ملوّحةٍ وأنت تظنّها مودِّعة،

كضحكاتٍ تُزلزلك سعادةً

في إحدى الليالي الموجعة.

استدارةُ ظلٍّ جميل.

أتذكر كيف بدأ بنا السبيل؟

حين كانت كلُّ الدروبِ ما تزالُ مزدحمة بالمسرّات،

مفعمةً بالألوان، تُحلّق بين جنباتها الفراشات.

كيف أجدبت الحدائقُ التي كانت تملأُ الجنبات؟

كيف تخبّطنا بين الحقائقِ والضلالات؟

متى، وكيف، ضللنا السبيل؟

أتعرف كيف تُولَد الأحلام؟

الأحلامُ ما هي إلا أفكارٌ متحوّرةٌ

ضلّت سبيلها في عالم الواقع،

واختارت أرضَ الأحلام بديل.

فما الأحلامُ إلا آمالٌ مؤجّلةٌ

هربت من طريقِ المستحيل.

تُولَد الأحلامُ

كي تختبئَ الآمالُ في عالمٍ جميل.

عدْ بها إلى أرضِ الواقع،

وقاتِلْ لأجلها، فما لها بديل.

أتعرف معنى الحبّ في زمن الحروب؟

حين يصيرُ الحبُّ شيئًا بعيدًا غيرَ مطلوب،

حين تتسرّبُ الأحلامُ والأماني من بين الثقوب.

التمسُّكُ بالحبِّ في أزمنةٍ تقتلُ الروحَ

يشبهُ ثورةَ الإيمانِ قبل طوفان نوح.

أتعرف ما الحنين؟

هو مزيجٌ يجمع بين تضادٍّ:

سعادةٍ مفرطةٍ وألمٍ حادّ.

الحنينُ ألمٌ بلا شفاء،

يشبهُ غرقَ ظمآنَ بأعماق الماء.

الحنينُ حزنٌ وأنين، وتمنٍّ للمستحيل،

كشوقِ أعماقِ المحيطات لهباتِ نسيمٍ عليل،

أو حلمِ طائرٍ قطبيٍّ بالعيشِ عند ضفافِ النيل.

الحنينُ بهجةٌ لحظيةٌ ووجعٌ طويل.

أتعرف؟

كلُّ المسافاتِ على الخريطةِ

من دروبِ الأوهام،

فالقلبُ مسافرٌ

عبرَ الزمانِ والأماكنِ والأحلام.

سنلتقي يومًا كقافلتين

ارتحلتا في صحراءَ معتمةٍ بلا دليل،

تلك لحظةٌ حتميّةٌ بعد ليلٍ طويل.

لا أعلمُ، أَتسرقُ منّا الدنيا أعمارَنا

أم نسرقُ منها لحظاتِ السعادة؟

أظنُّنا لصوصٌ متكافئون؛

فبمقدارِ ما نسرقُ نُسرَق.

دعنا نسرقْ لحظاتٍ من السعادة،

حتى وإنْ سرقتْ هي سنواتٍ من أعمارنا.

تَركضُ بنا الأيامُ

كركضِ الفهودِ في البراري الشاسعة،

لا نتبيّن ملامحَ السبيل،

ولا نرى من الدنيا سوى لحظاتٍ ضائعة.

أما آنَ الأوانُ أن تتوقّفَ حلقاتُ الركض،

وأن نجلسَ على أرصفةِ الطرقاتِ بليلٍ طويل؟

أتدري شعورَ الغريقِ في ظلماتِ بحرٍ ثائر؟

لا سبيلَ، لا طرقاتَ، لا بدايةَ، ولا نهاية،

فقط دوراناتٌ عبثيّةٌ يصنعها جرحٌ غائر.

التشبّثُ ببعضِ الأغصانِ المتناثرة،

خيرٌ من الموتِ صامتًا

في قاعِ الأعماقِ الغائرة.

كيف هي عيناك؟

عيناك بحرٌ لُجّيٌّ

لا أعرفُ للنجاةِ منه سبيلًا،

كجزيرتينِ تسبحانِ

في محيطٍ ثائرٍ بأمواجٍ عاتية،

مثل تلك الجزرِ الشهيرة البركانيةِ.

أتعرف تلك الروايةَ عن أولِ حادثةٍ ذرّية؟

حبٌّ تسلّل برِقّةٍ لقلبِ جميلةٍ زهرية،

ظللتُ أعوامًا أرسمُ وجهَها،

وحين رأيتك

تذكّرتُ كلَّ تلك اللحظاتِ الرومانسية.

فعيناك… عيونٌ سحرية.

أتعرف معنى أن تُهاجمَ الضلالاتُ قلبًا مطمئنًا؟

الانتظارُ ضلالة، والترقّبُ ضلالة،

والاشتياقُ بلا أملٍ أسوأُ ضلالة.

الضلالاتُ ظلماتٌ داخلَ ظلمات،

كأشباحٍ صامتةٍ في ليلٍ ثقيل.

أتذكر أيًّا من تلك الأرقامِ المنقوشةِ

على لوحاتِ السياراتِ المارّةِ وقتَ الظهيرة؟

أو أسماءَ الشخصيّاتِ في حلقاتٍ مسلسلةٍ

تروي أحداثًا غيرَ مثيرة؟

أتذكر وجوهَ العابرينَ

في ميدانٍ عامٍّ ليلًا حين تخفتُ الأنوار؟

أو إيقاعاتِ تلك الموسيقى الصاخبةِ

بخلفيةِ الأفلامِ القديمةِ الصامتة؟

هي أشياءُ عابرة،

وجدت لتملأ فراغاتِ بعضِ المشاهد،

فلا تتوقّفْ عندها طويلًا،

وامضِ بثباتٍ مثل قلبِ فارسٍ أو روحِ عابد.

لا تُعِرها انتباهك، ولا لها تُطِيل،

وإيّاكَ، إيّاكَ أن تضلَّ السبيل.

أتعرف ما الانتظار؟

ألمٌ مريرٌ وحصار،

غيمٌ بلا أمطار.

الانتظارُ يشبهُ تلك الأشياءَ الرماديةَ

المائلةَ قليلًا للزرقة،

مثلَ حوائطٍ جيريةٍ قديمةٍ

تحكي عن الاغترابِ والوحدةِ والفُرقة،

مثلَ الكتبِ المدرسيةِ القديمة،

أو تلك الشاشةِ الزرقاءِ اللعينة،

التي تظهرُ فجأةً على حاسبك،

فتُصيبك بصدمةٍ أليمة،

أو كزيّ عمّالِ المصانعِ الواحد،

أو ماءِ البحيراتِ الراكدة.

الانتظارُ عذابٌ بلا انتهاء،

رحلةُ مُذنَّبٍ في غياباتِ الفضاء.

أتعرف ما أقسى من الانتظار؟

إنه الترقّب، لعنةٌ لا نهائية،

تأرجحٌ على حافّةِ عالمَين،

مزيجٌ من القلقِ والتوقّعِ وبعضِ الحصار.

هو كالوقوفِ في قلبِ غابةٍ مظلمةٍ

منتظرًا مرورَ قطار،

أو محاولةِ اصطيادِ حلمٍ مراوغٍ

لتحلّقَ نحوَ الأبديّة.

الترقّبُ رحلةُ اعتصارِ زنادِ البندقية،

الترقّبُ هو تلك الثواني

التي يقفُ فيها مؤشّرُ التحميل

قبلَ الانتهاءِ بدرجةٍ واحدة مئويةٍ،

فتساورك كلُّ الشكوكِ

حول كونك مصدرَ اللعناتِ الأزلية.

إياكَ والهربَ،

فالسبيلُ سبيلُ الشجعان،

والمصاعبُ ترضخُ للطلب.

أعلمُ أنك لا تهابُ المواجهة،

ولا تسلكُ طرقَ المراوغة،

لكنّك تخشى أن تُقابل ذاتَك بتلك الأنحاء،

تهابُها وتخشاها خشيةَ العدمِ لتفاعل الأشياء.

لكن، تُقاسُ الشجاعةُ بتلك المواجهة،

حتى وإن فقدتَ كلَّ أملٍ أو دليل.

أنتَ فارسُ الزمانِ المستحيل.