يا مصرُ، هذا النيلُ في موجاتِهِ
خَفْقُ القلوب وهاطلُ العَبَراتِ
لحنٌ يُفيضُ الدمعَ ملْءَ جفونه
بتردُّد الآهات والزَّفَرات
يبكي عليكِ الموج في هَزّاته
يبكي على ماضيك في الهزّات
سمعتْ أنينَ الموج أهرامٌ عَلَتْ
خشَعتْ لما في الموج من أنَّات
خشعت لذكرَى المجد في جنباتها
وبناته في باطن الفَلَوات
يا أمةَ المجد الأثيل تذكَّري
«منفيسَ» والدنيا ثَوَتْ بسُبات
أيّام كان الناس ملءَ جفونه
نومٌ، وبعد النوم في غَمَرات
كانت عليها الشمسُ تُشْرق وحدَها
في حينِ يحيا الكونُ في ظلمات
وتذكَّرِي في «اسكندريةَ» كعبةً
للعلم في أيامها النَّضِرات
حجَّتْ إليها الناس كيما ينظروا
فيها حياة الكون في لمحات
الشاعرُ الفنان من أبنائها
والفيلسوفُ يدلُّ بالآيات
والعالمون بدت معارفهم بها
كالمدلجين مشَوْا على مِشْكاة
هل تذكرين حضارةً في نيلها
فاضت على الشطَّين والجَنَبات؟
طافت بها الدنيا مكبرةً لهم
نحيا بتلك الأعظم النَّخِرات
دلَّت على فضل ابنِ مِصْرَ روائعٌ
تَبْقَى مع الأيام والسنهات
تُحَفٌ تُبيدُ الدهرَ وهْيَ مواثل
ضمنَتْهمُ للخلد رغم الآتي
وا لَهْفتاهُ على زمانٍ قد قضَى
بالعزِّ والإجلال والحسنات
غابت معالمه عن العهدِ الذي
تَحْيا به واحتاطَ بالعَثَرات
وثَوَى الشّبابُ به، فليسَ بذاكرٍ
موتًا، ولا متحسِّرٍ لحياة
يغشَوْنَ لَهْوَ العيش ملءَ نفوسهم
متحمِّسين لعارضِ اللذات
أغرتْهمُ الأطْياف فانقادوا لها
وطغَوْا على ذكرَى قضت بفوات
تُغْريهمُ حُلَلُ الحياة إذا بدت
بَرَّاقةَ الألوان مختلفات
لا يعرفون لمصر حقًا نحوَهم
ضَلُّوا، ولمّا يَأْتَسوا بعظات
ضلّوا طريقَ المجد في أهوائهم
وعَمُوا، وقد ساروا بغير أناة
ألفاظهم جوفاء إذ نطقوا بها
يتَمَشْدَقونَ برائع الآيات
النيل والأهرامُ ملْءُ كلامهم
ما في الذي يأتون من كلمات
هَيّا شبابَ النيل، أنتم أمَّةٌ
الله أنبتكم كخير نَبات
تدرون ما معنى الجهادِ وما الذي
ينجيكُمُ مِنْ عثرة وشَتات
قمتم ترودون الحياةَ وتنهجوا
نهْجَ الأُلَى جَلُّوا عن الهَفَوات
قوموا على النهج القويم وبدِّدوا
سُحْبَ الحياة وحالكَ العَثَراث
يا ربِّ لا تكِلِ الشبابَ إلى الهوَى
وارزقهمُ التوفيقَ للحسنات
وامنحْهُمُ العمْرَ المليء شجاعةً
يَصِلوا بها الأسمَى من الغايات
ولْتَحْيَ في ظلِّ الشباب معارفٌ
تُفْني ظلام الجهل في لمحات
ولْتَحْيَ مصرُ ونيلُها وشبابها
ما دامت الأرضين والسموات