يعلّمني البحر أن لا سفينة بلا مرسى
يُلقيني في اندفاع السخط، ثمّ يلقّنني فطرة الصبر
يُسلّمني لمخفره شاردةً، مشتّتةً، خائرة القوى،
ويمدّني أميالًا نحو المرجان،
ثمّ يعيدني —كالموج حين يبتلع ملح السنين.
يبعثني بخارًا، ويجعلني مثل السنّارة
التي تقترض من عوائل الهامور ابنهم على مائدة العشاء.
يسحب شعري الثائر،
كما لو أنّه يحاول أن يُهذّب خصالًا
لم يبعثرها سوى استفزاز رطوبته.
يحاول أن يُلقي من منبر العمق درسًا لأجلي،
لكنني أغلق أذني عن صوته؛
أرغب أن أكون الصخر لا الموج.
يهديني في بعض الأحيان نساءه اللواتي تمرّدن عليه،
يفرشهنّ حولي كعبرةٍ ناعمة،
ويهمس: “هكذا تنتهي من تُحبّ البحر أكثر من نفسها.”
يقدّم لي أصدافه المختلفات،
ويحاسبني على هفواتي وأحزاني وخطايا قلبي،
ثمّ ينسى الطحلب الذي لطخ وجهه.
يبدأ بيننا نقاشٌ محتدم على اللانهاية،
أنا أقترب لأسأله عن معنى الثبات،
وهو يهتزّ رعشاتٍ بفعل القمر.
يذكّرني أنّ الحب لا يُكتب بالموج فقط،
بل بالرمل الذي يُمحى،
وبالصمت الذي يسبق الصوت.
يسحبني كما تحتضن المرأة وشاحها الحبيب،
ويتركني وأنا أتنفّس ببطءٍ —
كأنّي أتعلّم الحياة من جديد.
وحين أعود منه، أعود مبلّلةً بالحقيقة.
لا أدري هل غسلتني أم غرقتُ،
لكنّي أدرك أنّي خرجت منه أقلّ بشرية، وأكثر بحرًا