تخطَّ إلى المحتوى

غادرت بلادي

غير معروف

١٣٩ بيت

المتفرقات

غادرت بلادي..

كي أُطْلق عينيَّ تنادي

كيف تريد و كيف تشاءْ

كي أكتب شعرًا يشفيني

لا يتعب عين الرقباءْ

كي أخلد لسُكونٍ أَبَدِيٍّ

لمكان يسلبني حزني

يكفيني شرَّ الغرباءْ

فجلست لكي أنشد شعري

تحت غصونٍ ورديةْ

و ملأت الكون بألحاني

حبًّا و أغانٍ أبديةْ

فانتصف الليل و أشعاري

لا زالت تمنحني نوري

و سهادي يمنحني ناري

فشردت عن الكون الواسعْ

كي تنسى عيناي الواقعْ

يكويني بدماءٍ عربيةْ

كي أبحث عن حلمي الضائعْ

عن أشلاء الحريةْ

فاخترقت ضوضاء شرودي

و وجدت جنودًا أخذوني للسلطان

و رموني عند الديوان

كان مهيبًا و عظيمًا

ترتجُّ لمرآه الأكوان

لكنه في نظري

يشبه جحْرًا للجرذان!

فنهضت عن الأرض و قمْتُ

و تقدمت إليه و قلتُ:

أحسبني أخطأت مكاني

لقصورٍ ليست لزماني

لكن جنودك أسروني جلبوني و الناس نيامْ

و إليكم أرفع مظلمتي

باسم الله و باسم الحق و بالإسلامْ

صرخ السلطان:

- جاءت لبلادي أخبارٌ

عن شعرٍ أنشد بمكانٍ

لا يصلح بين الأشعار

عن قلمٍ يرفض سلطاني

يتكلم باسم الأحرار

و يثور بوجه الإعصار..

- لم يفعل قلمي!! لم يفعلْ!

- قل ماذا كنتَ تقول و تعملْ؟

- كنتُ أغنّي للحرية.. للمستقبل

- آلحرية في عهدي؟

- كلا مولاي!!

الحرية لا تعني

أن تسلب أنفاسي منّي

أن تحكم عقلي و خيالي

باسم الإيمان

الحرية لا تعني

جلاّدًا يرأسُ محكمةً

أو سيفًا يمخُرُ أوصالي

و سجونًا في كل مكان!

الحرية مِلْكُ يميني

لا مَلِكًا منّي ينزعها

أو مُلْكًا عنها يغريني

كلاّ مولاي..

- قل من عَلَّمَكُمْ هذا المعنى؟!!

- كل قواميس الإنسان

فالحرية لفظٌ تعرفُهُ كُلُّ الأديان

- فلْيُحْرَقْ ذاك القاموس

و لْتُمْحى كُلُّ الأديان

من علمكم هذا المعنى؟!

- علمني شعري..

و قيود الظلم تحاصرني

و سجون القمع تطاردني

و سيوف القهر تعاورني في كل مكان!

علمني شعري أن أصرخ

لا أخشى جور السلطان

إن كان لِيَ السجن المأوى

أو كان لِيَ القبر المثوى

أو رمسًا خلف القضبان

- سنمزِّقُ أشعارك و سنمحو

كلَّ الأصداءْ

- إن كان يضايقكم شعري لا ترموه

فسأكتب غيره!!

- و سنسحقُ كُلَّ الشُّعَراءْ!

- قل لي مولاي لمن أكتب؟

هل أكتب عن زهرٍ حُلْوٍ

يسكن شرفات الرؤساءْ؟

أو أكتب في حُسْنِ جَوارٍ

يمْلأنَ قصور الخُلفاءْ؟!

أم أكتب عن وَطَنٍ ضائِعْ

عن أمة حَقٍّ تتردّى

و شعوبٍ خُلِقَتْ خرساءْ؟!!

قل لي مولاي.. لمن أكتب؟!

- اكتب عني.. عن عدلي عن حكمي.. عن حسني

- كلاّ مولاي.. فلا أقدر

- يا مجرم.. يا مجرم!!

- لم أسرقْ.. لم أقتُل.. لم أظلمُ!!

- إن لم تفعل يا هذا

- فسآمُرُ جلاّدي

أن يحشرَ أبناء بلادي

كي أسجن شاعرنا الأعظم

أو أقتل شاعرنا الأعظم

إن لم يكتب للسلطان

- بيتي و سجونك سيّان

لكنَّ الشِّعْرَ هو الأنقى

موتي و حياتي وجهان

لمشيئَةِ ربّي يا هذا

فالكون فناءٌ مكتوبٌ

سيزول الظلم و لن يبقى

و يظل الشعر هو الأبقى..

فاجتمع النّاس ليبكوني

أهلي.. أصحابي ينعوني

و قلوب الناس قد انفطرت

و بنار الظلم قد احترقت

أشعاري شامخةٌ صرخت:

"أبقى.. أو يبقى الطغيانْ"

فعصور الطاغية اندثرت

إلا عصر السلطان..

جاء السلطان و في يدهِ

سيفٌ بتّارْ

يعكس ضوء الحَقِّ على جسدي

نورًا أو نارْ

قال السلطان:

- ألن تكتب؟

- بل أكتب مولاي:

"أبقى أو يبقى الطغيان"

- قل من علمكم هذا المعنى

- علمني سيفك و جنودك

و قصورك و ظلام سجونك

أنّي لست بجاريةٍ تسعى

في قصر السلطانْ!

بل لست حصانًا أو أرنبْ

أرقص كي يفرح أو يغضبْ

بحظيرة مولاي السلطان

- فسأحرق سيفي و جنودي

و قصوري و ظلام سجوني

من علمكم هذا المعنى؟

- علمني الرحمن

ألاّ أسجد للطغيان

في التوراة و في الإنجيل و في القرآن..

فارتعد السلطان..

و اندحر الظلم بعينيهِ

و تكلَّمَ شعبي

يحفظ أشعاري عن غَيْبِ:

- " نبقى أو يبقى الطغيان"!!!