تخطَّ إلى المحتوى

هات لي قدحا من العاصي

غير معروف

٣٠ بيت

النسيب

هاتِ لي قَدحاً مِنَ العاصي

أغسِلُ بهِ أوجاعي.

وامْلَأ دُلواً مِنَ النّاعورِ

أطهِّر برَفْدِه أسْمَاعي.

في شُرفَتي ياسَمينةٌ تُطِّلُ

على قَبرِ أجْدادي..

وعبَقُ البُنِّ يطوفُ أبوابَ حارتِنا..

وتَتمايَلُ الصّواني بالدَّلالِ.

كلما شمَمتُها، سَمِعتُ جارَتي

حَسْناء لِلفَرانِ تُنادي..

أنْ أرسِل لي خُبزا دافِئَ

الحُضنِ مُعَطرِ القافي..

ثم تَرشُقُ مِنْ شُباكِها حَصاةً

يَتيمةً إلى شُباكِ هَنادي..

فَتخرُجُ ذاتَ جَدائِلَ خَضيبَةٍ

إبتسامَتُها بِعُمقِ وادي.

وكأنّها أغنيةً لفَيروز ..

ويَعتَصِرُ الفَيروزُ فؤادي.

نوافِذُ حارتي مُلوّنَه..

كأنّها لوحاتٌ في المِزادِ.

من يَشتري حَكايةً

كرصاصَةٍ في جَبهةِ الجلّادِ؟

أُمسِكُ سيكَارةً قَديمَةً..

يَفوحُ مِنها عَبَقُ أَجدادي.

وأشربُ كأسَ فيجَةٍ..

أَروي بها ريقَ بلادي.

ذهبتُ إلى حمّامِ البَكري

وذُنوبي تَملأُ وِسادي..

بالغارِ أغتَسِلُ منْ جَنابةِ الروح

إلى أَنْ دَمَتْ الأيادي.

كُلُّ ذَنبٍ تَساقَطَ غُربَةً.. و

كأني قَد ضَللتُ مُرادي.

عُدتُ إلى حارتي بَعدَ أنْ..

كَسَى الشيبُ قوّتي وَعِتادي.

أبوابُ حارتِنا بلا مُفتاحٍ،

زمَنٌ يجودُ بالوِدادِ.

مشرّعةٌ عَباءَةُ حارتِنا..

قناديلُها تلوِّحُ للذّاهِب والآتي.

فأهدابُ حارَتِنا شَبابيكٌ..

مُكحَّلةً بِكُحلِ السُهادِ.

في بيتِ جدي مِروحةُ ستانلِس..

تَدورُ معَ الماضي.

تَقولُ ”هنا دِمَشق..

ثمّ تبدَأُ بِسَردِ الأمْجادِ.

دَسَّ فيها جَدي حكاياتُنا..

تَرَكَها تُلوِّحُ وكأنّها لنا تُنادي.

أبو صَيّاحْ خَرجَ بإِفراجٍ..

وعادَ لأَنهُ ضَربَ أبو شادي.

وجارَتُنا صُبحِيّه ونَميمَتُها..

حَول نافورةٍ تُغني يا بِلادي.

وَفتحي وأخيهِ زهدي..

ذَهبوا إعارَه إلى الرّياضِ.

وعِشقُ وَتينْ وبائِع الفَناجينْ..

خِفيةً هَربوا إلى بَغدادِ.

مِروحَةٌ في صَداها أذانُ العيد..

وأطفالٌ يَجولونَ بالعَيادي.

سيكارةُ جدي القَديمه لم تَنتَهي..

أنفاسُها لِلذِّكرَياتِ بالمِرصادِ

تُريدُني أنْ أُكمِلْ حِكايةَ

حارةٍ ماتَتْ..

ونَوافِذُها بَقيَتْ تُنادي.