لقدْ طالَ اغْتِرابي وابْتِعادي
ونَفيي عَنكِ يا خَيرَ البِلادِ
نُفيتُ بِغَيرِ ذَنبٍ عَنكِ إِلا
إِبائِيَ أَنْ أُذَلَّ مِنَ الأَعادي!
أَنا ابْنُكِ يا شَآمُ مَضَتْ سَنينٌ
وثَوبُكِ لمْ يَزَلْ ثَوبَ الحِدادِ
سِنينٌ خِلتُها مَرَّتْ قُروناً
بِها ذُقتُ المَصائِبَ بانْفِرادي
وحَيداً... كُلُّ أَصحابي نَسَوْني
سِوى شِعري المُخَضَّبِ بالسَّوادِ!
نَهاري يَنقضي كَدْحاً ونَفسي
بِوادٍ والذينَ مَعي بِوادِ
ولَيلي يَنقَضي شَوقاً ودَمعي
يُبَلِّلُني ويُنحِلُني سُهادي
أَنا ابْنُكِ شابَ شَعرِيَ ضاعَ وَجهي
فَهَلْ يا شامُ تَذكُرُني بِلادي؟
أَنا مَنْ في رِحابِكِ بُحَّ صَوتي
وفي مَنفايَ لمْ أَبْرَحْ أُنادي
وثُرتُ ولمْ أَثُرْ مِنْ أَجلِ دُنيا
فَحَسْبُ المَرءِ أَنْ يَحيا بِزادِ
ولكنْ ثَورَةً قامَتْ بِحَقٍّ
لَرَدعِ الظّالمينَ عَنِ التَّمادي
وأَوَّلُ ثَورَتي كانَتْ بِدَرْعا
وآخِرُها تُسَعَّرُ في فُؤادي!
صَرَختُ بِلا وكَلا في وُجوهٍ
عَليها كُلُّ لَعْناتِ العِبادِ!
بِكُلِّ مُحَرَّمٍ بَطَشُوا بِشَعبٍ
ضَعيفٍ لَيسَ يَملِكُ مِنْ عَتادِ
أَمامَ عَدُوِّهِمْ فَهُمُ نِعاجٌ
تُطيعُهُمُ وتُذعِنُ بِانْقيِادِ
ولكِنْ هُمْ على الضَّعَفاءِ كانوا
فَراعِنَةً جَبابِرةً... كَعادِ!
فَكَمْ أَلقَوْا بَراميلاً علَيهِمْ
فَحَوَّلَتِ البُيوتَ إِلى رَمادِ!
وما رَحِمُوا رِجالاً أَوْ نِساءً
ولا طِفلاً رَضيعاً في المِهادِ
على صَمتٍ مِنَ الدُّوَلِ التي لمْ
تَزِدْهُمْ غَيرَ لَومٍ وانْتِقادِ!
أَنا "السَّاروتُ" بُلْبُلُ كُلِّ حُرٍّ
وحارِسُ ثَورَةٍ قَيدَ المَعادِ
صَدَحتُ بِأُغْنِياتِيَ ثُمَّ خَلفي
تَرَكتُ الدَّمعَ يَنبُعُ مِنْ جَمادِ!
أَنا "القاشوشُ" كَمْ زَلزَلتُ عَرشاً
وأَسمَعتُ الحَواضِرَ والبَوادي
وليسَ مَعي سِلاحٌ غَيرَ صَوتٍ
بِحُنجُرَتي... وحُنجُرَتي زِنادي!
أَنا "مَيُّ" التي خَلَّفتُ فَنِّي
ورائِيَ ثُمَّ سِرتُ على القَتادِ!
لأَصرُخَ لا بِوَجهِ الظُّلمِ حَتّى
قَضَيتُ... فَنِلتُ مِنْ رَبّي مُرادي
أَنا "مَيسونُ بيرقدارُ" كَمْ ذا
دَعَستُ ودُسْتُ هاماتِ الأَعادي
أَذَقْتُ على الهَواتِفِ كُلَّ وَغدٍ
شَتائِمَ لمْ تَزَلْ سَمَرَ النَّوادي
أَنا الأَحرارُ مِنِّيَ حَيثُ كانوا
ونَفسي مِنهُمُ ولهُمْ وِدادي
وأَعدائي الطُّغاةُ وَمَنْ وراهُمْ
وكُلُّ مُؤَيِّدٍ لَهُمُ يُنادي
ومَنْ قالوا لقدْ كُنَّا بِعَيشٍ
ومَنْ وَقَفُوا على أَرضِ الحِيادِ!
ومَنْ سَأَلُوا الإِلهَ بِكُلِّ حُمْقٍ
بِنورٍ مِنهُ إِطفاءَ اتِّقادي!
ومَنْ سَأَلوهُ نَصرَ الحَقِّ جَهلاً
وشَمسُ الحَقِّ في كَبِدِ اعْتِقادي!
وليسَ يَزيغُ عَنها غَيرَ أَعمى
وليسَ لدَيهِ شَيٌ مِنْ رَشادِ
وثَورَتُنا بِلا شَكٍّ ورَيْبٍ
هِيَ الحَقُّ المُبينُ على الفَسادِ
فيا شامُ اصْبِري فالنَّصرُ آتٍ
ولا تَخدَعْكِ في الدَّهرِ العَوادي
فثَورَتُنا سَتَبقى ما بَقينا
تُسَعَّرُ في دِماءٍ أَوْ مِدادِ