لا الشَّامُ ضاحِكَةٌ ولا الشَّهْباءُ!
فَمتى تَضُمُّكَ يا فَتى الصَّحْراءُ؟
فالقَبرُ مَثواكَ الذي تُشْفى بِهِ
مِنْ كُلِّ سُقمٍ عَزَّ مِنهُ شِفاءُ
يا أيُّها المَولودُ مِنْ رَحِمِ الأَسى
فيمَ انتِظارُكَ والحياةُ خَواءُ؟
فَقَدَتْ مَعانيها وبَهْجَتُها ذَوَتْ
وفَشَتْ بِها الشَّهَواتُ والأَهْواءُ
أَمَّا الأَحِبَّةُ فالمَنافي دُونَهُمْ
ومِنَ العَجائِبِ أَنْ يَكونَ لِقاءُ
والأَصدِقاءُ سَلَوكَ واعتَذَروا
بِلُقمَةِ عَيشِهِمْ ولكَمْ يَعِزُّ وَفاءُ!
وبَقيتَ في "إسْطَنبولَ" مُنفَرِداً
تُخامِرُكَ الكَآبَةُ والرُّؤَى السَّوداءُ
آلَيْتَ أَنْ تَبقى بِدَهْرِكَ أَعْزَباً
كَيْ لا يُقاسي مِثلَكَ الأَبْناءُ
وبَقيتَ مِثلَ الفَيلَسوفِ مُسَمَّراً
بَينَ الزِّحامِ تَحُيطُكَ الغُرَباءُ
يَتَهافَتُونَ على"الدُّولارِ" بِعَيشِهِمْ
والخُبزُ زادُكَ بَينَهُمْ والماءُ
تَرنُوْ إِلى الدُّنيا بِعَينِ مُفَكِّرٍ
قَلِقٍ يَكادُ يَهُدُّهُ الإِعْياءُ!
وتَرُومُ للدُّنيا صَلاحاً بِالنُّهى
هَيهاتَ! فَوقَ عُروشِها الجُهَلاءُ
مَلَأُوا بِخَيراتِ البِلادِ جُيُوبَهُمْ
وتَضَوَّرَتْ جُوعاً بِها الفُقَراءُ!
فانْظُرْ لِمَوطِنِكَ الجَميلِ فَإِنَّهُ
غَشِيَتْهُ مِنْ عَقْدٍ مَضى الظَّلْماءُ
ونُفيتَ عَنهُ وأَنتَ مِنْ أَبنائِهِ
وتَقاسَمَتْهُ بَعدَكَ الأَعْداءُ!
سَفَكُوا دَمَ الأَحرارِ فيهِ عَنوَةً
وتَناثَرَتْ في جَوِّهِ الأَشْلاءُ!
واهاً على الوَطَنِ الذَّبيحِ على
مَغانِيهِ التي تَعْوي بِها النَّكْباءُ!
لا تَبْكِ! لا يُجديهِ مِنكَ بُكاءُ
فَلَكَمْ بَكَتْهُ بِدَمْعِها خَنْساءُ!
وقَصائِدُ الشُّعَراءِ لا تُجدي فَقدْ
ضاعَتْ بِرَغمِ رَثائِها الحَمْراءُ!
والشَّامُ أَلفُ قَصيدةٍ رُثِيَتْ بِها
وتَسابَقَتْ بِمُصابِها الشُّعَراءُ!
فَدَعِ الحَقائِقَ إِنْ أَرَدتَ سَعادَةً
فالحَقُّ قدْ حَفَّتْ بِهِ الأَرزاءُ!
وعِشِ الحياةَ بِغيرِ فِكْرٍ مِثلَما
تَحيا بِهذا العالَمِ الدَّهْماءُ!
أَوْ فَانْتَحِرْ بالفِكْرِ فَهْوَ فَضيلَةٌ
عَزَّتْ ومَنْ ماتُوا بِهِ شُهَداءُ