طَوَى الدَّهْرُ مِنْ عَيْنِي جَمِيعَ المَسَرَّاتِ
وَأَوْرَثَنِي الوَجْدَ الطَّوِيلَ بآهَاتِ
أَمُرُّ عَلَى الدَّارِ الخَلِيَّةِ ثَاكِلاً
أُنَادِي نُجُومَ اللَّيْلِ فِي كُلِّ سَاعَاتِ
يَا لَيْلُ طُلْ، فَإِنَّ الصُّبْحَ بَعْدَ حَبِيبَتِي
كَمِثْلِ سَوَادِ القَبْرِ بَيْنَ المَفَازَاتِ
أُغَسِّلُ جِسْمَاً طَهَّرَ اللهُ رِجْسَهُ
بِمَاءِ شُجُونِي لَا بِمَاءِ القَنَيَّاتِ
وَلَمَّا أَمَرْتُ الكَفَّ تَمْسَحُ طُهْرَهَا
صُعِقْتُ لِمَا أَلْفَيْتُ مِنْ مُوجِعَاتِ
لَمَسْتُ ضُلُوعاً لِلْبَتُولِ كَسِيرَةً
فَذَابَ فُؤَادِي مِثْلَ ذَوْبِ الحُشَاشَاتِ
تُخَبِّئُ عَنِّي الجُرْحَ صَبْراً وَرِفْقَةً
وَتَكْتُمُ نَاراً أُضْرِمَتْ بِالخَفِيَّاتِ
فَوَا لَهْفَتِي! كَيْفَ السِّيَاطُ تَمَكَّنَتْ
مِنْ بَضْعَةِ طه خَيْرِ كُلِّ البَرِيَّاتِ؟
وَكَيْفَ اجْتَرَى جَهْلُ الزَّمَانِ لِكَي يَرَى
مَسِيرَ دُمُوعِ النُّورِ فِي العَبَرَاتِ؟
أَيَا فَاطِمٌ، هَذَا عَلِيٌّ وَسَيْفُهُ
يَغُصُّ بِصَبْرٍ فَاقَ كُلَّ المُرُوءَاتِ
لَوَى الصَّبْرُ عُنْقِي وَالمَوَاثِيقُ قَيَّدَتْ
يَدِي، لَا خِوَافاً مِنْ لِقَاءِ المَنِيَّاتِ
لَقَدْ كَانَ ضِلْعُكِ كَسْرُ عَرْشِ عَدَالَةٍ
وَهَدْمُ حُصُونٍ لِلْهُدَى وَالعِبَادَاتِ
أُنَادِي رَسُولَ اللهِ: يَا أخي انْتَبِهْ
لِمَا فَعَلُوا بَعْدَكَ بِأَهْلِ الكَرَامَاتِ
لَقَدْ نَكَثُوا العَهْدَ الوَثِيقَ وَأَجْلَبُوا
عَلَى بَيْتِنَا بِالخَيْلِ وَالعَادِيَاتِ
وَجِئْتُ لِحَمْلِ النَّعْشِ وَالكَونُ واجِمٌ
وَرُوحِي لَدَى النَّعْشِ انْطَوَتْ بِالجِرَاحَاتِ
أَنَا قَالِعُ البَابِ العَظِيمِ بِخَيْبَرٍ
وَمُرْدِي صَنَادِيدَ الشَّقَا فِي المَلَمَّاتِ
أَنَا مَنْ دَحَا الحِصْنَ المَنِيعَ بِقُوَّةٍ
وَأَطْعَمَ نَصْرَ اللهِ كُلَّ الرَّايَاتِ
وَلَكِنَّ نَعْشَ الوجْدِ هَدَّ عَزِيمَتِي
وَلَمْ أَسْتَطِعْ حَمْلاً لِثِقْلِ المُلِمَّاتِ
تَخَاذَلَتِ الأَقْدَامُ وَالرُّكْنُ مَالَ بِي
وَأَيْنَ قُوَى "حَيْدَر" لِحَمْلِ الجَنَازَاتِ؟
نَادَيْتُ: يَا صَحْبِي أَعِينُوا عِلِيَّكُمْ
فَقَدْ فَارَقَتْنِي القُوَّةُ لِلْمَمَاتِ
فَأَقْبَلَ "مِقْدَادٌ" وَفِي القَلْبِ جَذْوَةٌ
وَ"سَلْمَانُ" يَحْبُو بِالأَسَى وَالعَنِيَّاتِ
وَجَاءَ "أَبُو ذَرٍّ" وَفِي العَيْنِ دَمْعَةٌ
تُجَارِي دُمُوعِي بَيْنَ تِلْكَ العَرَصَاتِ
حَمَلْنَا "سَمَاءً" لِلْتُّرَابِ نَزُفُّهَا
بِصَمْتٍ رَهِيبٍ مِثْلِ صَمْتِ المَقْبَرَاتِ
نَسِيرُ بِهَا وَاللَّيْلُ يُرْخِي سُدُولَهُ
لِكَيْ لَا يَرَى الأَوْبَاشُ نُورَ الطَّهَارَاتِ
أُوَارِيكِ فِي قَبْرٍ خَفِيٍّ مَكَانُهُ
وَأَحْثُو تُرَاباً فَوْقَ كُلِّ لَذَاذَاتِي
أَيَا قَبْرُ رِفْقاً بِالبَتُولِ فَإِنَّهَا
رَقِيقةُ حِسٍّ، بَهْجَةُ المَكْرُمَاتِ
تُرِيدِينَ يَا زَهْرَاءُ قَبْرَاً مُغَيَّبَاً
لِتَبْقَى شُكَاةُ الحَقِّ لِلآتِيَاتِ
فَلَا عَفَّرُوا تُرْبَاً لِقَبْرِكِ سَجْدَةً
وَلَا عَرَفُوا مَثْوَاكِ بَيْنَ الفَلَوَاتِ
سَلَامٌ عَلَى مَنْ مَاتَ وَالجُرْحُ رَاعِفٌ
بِسِرِّ اعْتِصَارٍ بَيْنَ بَابٍ وَلَوْعَاتِ
تَرَكْتِ لَنَا "زَيْنَب" تَنُوحُ بِحُرْقَةٍ
وَتَسْأَلُنِي: أَيْنَ الشَّفِيقَةُ، يَا آتِي؟
وَ"حُسَيْنٌ" وَ"حَسَنٌ" يَذْرِيَانِ دَمْعَهُمَا
عَلَى عَتَبَاتِ الدَّارِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ
فَيَا لَهْفَ نَفْسِي كَيْفَ أَصْبَرُ بَعْدَهَا؟
وَقَدْ خَرَجَتْ رُوحِي مَعَ الزَّفَرَاتِ
سَأَشْكُو لِطَهَ مَا لَقِيتُ مِنَ العِدَا
وَمَا فَعَلَ القَوْمُ بِأَهْلِ العَبَاءَاتِ
قَبِيحٌ بَنِي السَّقِيفَةِ مَا قَدْ جَنَيْتُمُ
وَيَا وَيْلَكُمْ مِنْ مَوْقِفِ العَرَصَاتِ
سَتَبْقَيْنَ يَا زَهْرَاءُ شَمْسَاً مُضِيئَةً
وَلَوْ دَفَنُوا الأَنْوارَ فِي الظُّلُمَاتِ
عَلَيْكِ سَلَامُ اللهِ مَا ذَرَّ شَارِقٌ
وَمَا نَاحَ قُمْرِيٌّ بِلَحْنِ الشَّجِيَّاتِ
سَأَبْكِيكِ حَتَّى يَلْحَقَ الصَّوْتُ صَوْتَكِ
وَأَلْقَاكِ عِنْدَ الحَوْضِ فِي الجَنَّاتِ
فَإِنَّ حَيَاةً لَسْتِ فِيهَا ذَمِيمَةٌ
وَإِنَّ بَقَاءً بَعْدَ مَوْتِكِ لِلْمَمَاتِ
تَمَّتْ بآهَاتِي قَصِيدَةُ لَوْعَتِي
وَسُطِّرَ جُرْحِي فِي سِجِلِّ الثَّبَاتِ
فَصَلَّى عَلَيْكِ اللهُ يَا خَيْرَ نِسْوَةٍ
وَآلِكِ أَصْحَابِ الكِسَا وَالصِّفَاتِ