سبحان من أظهر الأنوار واحتجابا
و كل حمد وتمجيد له وجبا
إذا ابتغى العقل في إدراكه سببا
جاء الحجاب فألقى دونه الحجبا
حتى إذا ما تلاشى عندها ظهرا
سبحان من كان والأكوان لم تكن
في غير أين ولا وقت ولا زمن
حتى أتى الجود بالإحياء والمنن
و كان ما قد رسمناه بما ومن
و أظهر الشمس ذات النور والقمر
سبحان من حجب الأبصار فاحتجبت
و كم أراد مريد نيلها فأبت
و من حدثته أمانيه فقد كذبت
حقيقة ذاتها عن ذاتها وجبت
لا يدرك العقل من أخبارها خبرا
سبحا من شأنه في شأن عجب
يخفى فيظهر أو يبدو فيحتجب
يا أيها العاكفون السادة النجب
هل فيكم من سعى سعيا كما يجب
ففاز بالغرض المطلوب أو ظفر
سبحان من لم يزل بالعلم منفردا
و من تعالى عن الاشباه فاتحدا
سبحانه وتعالى واحدا صمدا
تبارك الله لم يولد ولم يلد
تنزه الله عما يلحقون البشرا
سبحان من أخرج الموجود من عدم
رسما برى كونه في غير مرتسم
فلا محل سوى كنه من الكلم
و لم يزل هو في ديمومة القدم
مؤثرا يخلق التأثير والأثر
سبحان من خلق الأشياء أجمعها
فمن رآها رأى أفعاله معها
و كان أتقها صنعا وأبدعها
نفس إلى العالم العلوي رعها
و خصها من معاليه بما بهرا..
سبحان من عم بالإنعام ما خلقا
و شفع العدل بالإحسان فاتفقا
و زاد بالذكر في قلب التقي تقى
فاستكمل الدين والإيمان والخلقا
و كان مدركه الصديق أو عمرا..
سبحان من سبحته كل سابحة
و كل عائمة في الماء سائحة
و كل غادية تغدو ورائحة
و سبحته خفايا كل جانحة
لم تعرف السر حتى جاورت صورا..
سبحان من حمدته ألسن البشر
في السر والجهر والآصال والبكر
و في الدجى تشدو ونصف الليل والسحر
بالشكر والذكر والآيات والسور
توليه حمدا وتتلو بعده سورا..
سبحان من نزهته ألسن عزفت
عن كل ما يوهم التشبيه إذ وصفت
صفا لها مورد التحقيق حين صفت
فلم تفارقها حتى أثبتت ونفت
و لم يدع شبهة تؤذي ولا ضررا..
سبحان من شكره في الدين مفترض
و ليس جسم ولا عرض
ينهي ويأمر ما في ذا وذا غرض
فاذكر لنعماه ذكرا ليس ينقرض
فمن تحدث بالنعمى فقد شكرا..
سبحان من خضع السبع الطباق له
و أعظمته قلوب حشوها وله
تريد إنَّ تعلم الأبقي وتعقله
طوبى لمن أمل الأبقى وأم له
و استكثر الزاد لمّا آنس السفر..
سبحان من زين الأفلاك بالشهب
و بين الدين بالآيات والكتب
و لم يدعنا لدى لهو وفي لعب
لكن نهانا وآتانا على الرتب
حتى انتهينا وأذعنا لمّا أمرا..
سبحان من جعل الأشياء تختلف
فتارة تتناءى ثم تأتلف
هذا الظلام بنور الصبح ينصرف
كما الضلال لنور العلم يقف
فسله نورا ينير السمع والبصرا..
سبحان من خلق الأخلاق والخلقا
و الشمس والبدر والظلماء والغسقا
يروقك الكل مجموعا ومفتراقا
و انظر لنفسك واسلك نحوه طرقا
فأسعد الناس من في نفسه نظرا.
سبحان منزل الماء المزن في المطر
يروي النبات ويسقي يانع الثمر
كأنما الزهر تهديه إلى الزهر
إذا رأيت تلاقيها على قدر
رأيت صنع قدير أحكم القدرا..
سبحان من قدر الأوقات والأجلا
و تابع الوحي واستتلى به الرسلا
فمن تعدى حدود الفوق قيل غلا
و من تجاوز منحطا فقد سفلا
و من تخطى خطوط المنتهى كفرا..
سبحان من فجر الأنهار فانفجرت
و قدر الخير في إجرائها فجرت
فزينة الأرض بالأزهار قد ظهرت
و للبصيرة عين كلما نظرت
رأت جمالا وإجمالا ومعتبرا..
سبحان من خلق الإنسان من علق
و أعقب الليلة الليلاء بالغسق
يا بهجة الشمس دوني عذت من فلق
و يا سنا البدر عارض حمرة الشفق
حين تعود لنا من ليلتنا سحرا..
سبحان من علم الإنسان بالقلم
و سلط الهم والبلوى على الهمم
فقاومتها جنود الصبر والكرم
ثم ابتلى قلب غير العارف الفهم
فما أطلق ولا أوفى ولا صبرا..
سبحان من خلق الإنسان من عجل
فليس يمشي إلى شيء على مهل
و لا يقول سوى هذا وذلك لي
مقسم الحال بين الحرص والحيل
فليس تلقاه إلاّ ضارعا حذرا..
سبحان من زانه بالعلم والأدب
و بالفضائل والإيمان والطلب
فلا يزال حليف الفكر والتعب
رام الكمال فلم يبلغ ولم يخب
و لم يرد بعد في ري ولا صدرا..
سبحان من شأنه بالكبر والأشر
يمسي ويصبح في غي وفي بطر
مردد العزم بين الجبن والخور
لا يستفيق من الشكوى إلى البشر
و لا يزحزح عن ظلم إذا قدرا..
سبحان محرقه في وقدة الحسد
فلا يزال أخا غيظ وفي نكد
كالبحر يرمي إلى العينين بالزبد
إذا رأى أثر النعمى على أحد
يود لو كان أعمى لا يرى ضجرا..
سبحان من أمر الأرواح فأتمرت
ثم استديمت فلم تنهض بما أمرت
و كل نفس إذا سامحتها فجرت
فلا تصلها إذا خانتها أو غدرت
و اقطع علائق من قد خان أو غدرا..
سبحان من بسط التعليم ثم طوى
فأعق القلب وجدا دائما وهوى
و ذاب في ملتظى أشواقه وذوى
و كان أزمع واستوفى المنى ونوى
حجا فلما انى ميقاته حصرا..
سبحان من في بساط العدل أجلسنا
و باغتفار عظيم الذنب آنسنا
و زان بالعلم والإيمان أنفسنا
فكان أعظمنا قدرا وأنفسنا
من انتهى أو نهى أو خاف فازدجرا..
سبحان من خص بالإيمان أنفسنا
و خافه من عذاب النار أنفسنا
لولاه لم نعرف المعروف والحسنا
و لا استفدنا لسانا ناطقا لسنا
و لا درينا: أباح الشرع أو حظرا
سبحان من جعل الإيمان بالقدر
و الحشر والنشر منجاة من الضرر
فلا خلود مع الإيمان في سقر
و لا وصول إلى أمن دون حذر
حتى تكون لأمر الله مؤتمرا
سبحان من إن يشأ أعطاك أو منعك
و من إذا شاء أمرا حادثا وقعا
و تارة يخفض الأمر الذي رفعا
يوما يفرق للإنسان ما حمعا
و لا يبالي بمن أثرى ومن خسرا..
سبحان من هو يوم الفصل يجمعنا
و للنعيم بفضل منه يرفعنا
من بعد رؤية أهوال تروعنا
يرى لها والها هيمان أورعنا
حيران عريان يبدي كل ما سترا..
سبحان من شاء في الدنيا سعادتنا
بطاعة أحسنت منا إرادتنا
و يبتلينا ويستحلي عبادتنا
حتى إذا شاء في الأخر إعادتنا
أعادنا مثل ما كنا كما ذكرا..
سبحان من يحشر الإنسان مكتئبا
خوف الجراء ويجزيه بما كسبا
و يحكم الحكم يمضيه كما وجبا
فالقاسطون إلى نيرانه عصبا
و المقسطون إلى جناته زمرا..
سبحان من فضل الإسلام في الأمم
بالطيبات الطاهر المبعوث في الحر
محمّد خير من يمشي على قدم
إذا عددت بيوت المجد والكرم
فمنه حتى إلى عدنان أو مضرا
سبحان من ختم الأديان في الأزل
بالملة السمحة البيضاء في الملل
أتى بها خير مأمور وممتثل
محمّد خاتم السادات والرسل
و خير من حج بيت الله واعتمرا
إذا وصفنا فبالتقصير نعترف
فكل لفظ بليغ دونه يقف
هو النبي الذي في ذكره شرف
فإن طلبت رضاه الذي تصف
فكن على وصفه في الذكر مقتصرا..
صلى الإله عليه ما بدا قمر
و ما سرى في الديجاء أنجم زهر
و ما تباينت الأشكال والصور
و ما تدورست الآيات والسور
و ما قضى مؤمن من حاجة وطرا..