هنا كانت الدنيا نخيلا وأشجارا
وشمسا وأفياءً تظلّلُ أنهارا
وليلا به النجماتُ تعزفُ صمتها
وبالشَّفَقِ المعلولِ يبدأُ أسفارا
وللقمرِ العشاقُ تبكي وتشتكي
فيرسلُ أنّاتٍ إليهم وأنوارا
وكانت دموعُ العاشقينَ حكايةً
تردّدُها النَسْماتُ حينا وأطوارا
وتحنو إلى النهرِ العتيقِ يمامةٌ
لتُسْمِعَه الأنغامَ لحنا وأوتارا
تعاتبني كيف المساءُ يُخيفُنا
وقد كان يوما يمنحُ العمرَ أزهارا
تُساءِلُني عن بيتِ أهلي وما به
تحيطُ به الأحزانُ قهرا وإجبارا
وقلبٌ به الأشواقُ تكتمُ لوعةً
به ترقدُ الأحلامُ توقظُ تذكارا
تُعاتبني والدمعُ يجري بمقلتي
تُكلّمني صمتا فَضوحا وإخبارا
ألا أيّها القلبُ الجريحُ مشاعرا
تكتّمُ مِنْ حُزنٍ جراحا وأسرارا
وتركنُ للصمتِ الأليمِ مَهابةٌ
إذا نَطَقَتْ دنياك ذلاّ وإدبارا
هي الأرضُ مِنْ عهدٍ طويلٍ نعيشُها
وما سَئِمَتْ غيرَ الّذي ماتَ غدّارا
نعيشُ مع الماضي وننسى بأننا
بحاضرِنا موتى ونأكُلُ أحجارا
تُساءلني تلك اليمامةُ عن أبي
أكانَ صديقَ الأرضِ أم كانَ جبّارا؟
وهل كانَ مثلي يحملُ الحبَّ قلبُه
وكان تقيّا يعبدُ اللهَ إكبارا؟
وهل أنّ أحلامي كما هي في فمي
تسافرُ بي في عالمٍ جابَ أقطارا؟
وترحلُ عنّي كالرياحِ مواجعي
فترجعُ إعصارا يُعانقُ إعصارا
وعن وطني حدّثتها عن سُهولِه
وعن زهرةٍ حمراءَ تُخبرُ أخبارا
كأنّي لَمَستُ الحبَّ في عَرَصَاته
بساتينَ مُلتاعٍ تردّدُ أشعارا
وعن أصدقاءَ يُشرِقونَ بليلِنا
كفجرٍ ضَحوكٍ بشّرَ الأرضَ إعمارا
وأُسْمِعُها تغريدَ قلبي بلوعَةٍ
عسى ساعة الذّكرى تُعاودُ تَذكارا
ألا ليتَ أيامَ الجفاءِ قصيرةٌ
وأنّ زمانَ الوصلِ يفترشُ الدارا
رأيتُ بعينيها المواجعَ كلّها
لتُخبرَني عن موطني الصارَ أكدارا
وعن جُثثٍ مرميّةٍ في شوارع
تُلملِمُ أحزانا وتُنبِتُ أوزارا
عجيبٌ سكوتُ الناسِ عمّا يُحيطُهمْ
وأعجبُ منه الظلمُ يُظلمُ أبصارا
بحسرةِ مهمومٍ وروعةِ خائفٍ
وشهقةِ ملهوفٍ يُقلّبُ أنظارا
تقولُ بأنّ الموتَ يسقي رُبوعَنا
فلا الطفلُ ناجٍ لا ولا العاشَ أعمارا
ولا فتيةُ الحيّ القديمِ نجوا ولا
نساءٌ ولا الجدرانُ تُنقِذُ أحجارا
كأنّ الرّدى مُستأسدٌ في رُبوعِنا
وأنّ قبورَ الأرضِ تَسرقُ أسفارا
وأنّ دُعاءَ البائسينَ دموعُهم
يُخالطُها يأسٌ يُطاولُ أقمارا
مساكنُهم أطلالُ قومٍ تمزّقوا
وفرّقهم بأسٌ يُمازجُ أخطارا
وشعبٌ على الأعشابِ يغفو مشرّدٌ
يمدّ يدَ الإذلالِ يلبسُ أطمارا
أضاعته آثامٌ وغفلةُ مُذنبٍ
ليبرأ منه الإثمُ كفرا وأوزارا
تلومُ خطاياهُ السماءَ وتدّعي
بأنّ الرزايا تستميحُك أعذارا
سئمتُكِ يا دنيا النفاقِ معيشةً
رأيتُ المنايا فيكِ تحصدُ أخيارا
وتلهو بكِ النفسُ التي عَبَدَتْ هوىً
وكم هيَ في الأهواءِ تُغْرِقُ أحرارا