بذكراكَ لا ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
براعةُ إهلالي وبدْءُ تغزُّلي
وأرضك يا لبنانُ قِدْماً هوِيتُها
ولم أهوَ ما بين الدَّخولِ فَحَوْمَل
وحقُّكَ من قبل الفطام رضعتُه
غدا في دمي يجري إلى كلِّ مفصل
فأنت حديثي في رواحي وغُدوتي
أصوغ بك الأشعار في كل محفل
وأنت إزائي حيثُ سرتُ ممثَّلٌ
فيطربني المرأى ولو بالتخيِّل
جنوباً وشرقاً أو شمالاً ومغرباً
أسير وذيَّاكَ الخيالُ يلذُّ لي
عشقْتُكَ يا لبنانُ في المهد قبل أن
أطاقتْ مسيراً في ربوعك أرجلي
ولم يكُ معنى العشق حرَّك مهجتي
ولا كان لفظ العشق حرَّك مِقْولي
ولا كنتُ أدري ما حباك من الْبَها
إلهٌ على كل الخلائق مُعتَل
وأنَّى لقلبي طاقةٌ أن يكون مِن
هواك خليَّاً وهْو ليس بجَنْدَل
وأنت ملاذي في الخُطوب وعَقْوتي
وعوني على صرف الزَّمان وموئلي
وموطنُ أحبابي ومثوى عشيرتي
وآلي ومَن أضحى عليهم معوَّلي
ولي في ثراكَ الطاهر الطيب الشَّذا
جدودٌ عليهم رحمةُ الواحدِ العلي
فيا تُرْبَ لبنانَ الذي كم أتيته
وقاراً وإجلالاً أُقبِّلُ ما بَلي
سقاكَ الحيا يا خيرَ تُربٍ مباركٍ
وحيَّاكَ مزنُ العارض المتهلِّل
ولا زلتَ للإسعاد واليُمن منبتاً
ينال بك الراجون أبعدَ مأمل
لكَ اللهُ يا لبنانُ طوداً ممنَّعاً
تعزُّ مراقيه على المتوقِّل
أمامك بحرُ الرُّوم يبدو لناظرٍ
صفائحه مصقولة كالسَّجَنْجل
غدا لك عند الأخمصَيْن مُراقباً
بمقلته الزَّرقاءِ دون تغفُّل
يرى قدْرك العالي ورأسك شامخاً
وليس إلى ما نلْتَهُ من توصُّل
فيلظَى ويُرغي مزبداً ويعجُّ من
أُوارٍ وفي أحشائه أيُّ مِرجل
وتندفع الأمواج منه هوائجاً
كجيش غزاةٍ يبتغي فَتْحَ معقل
فتصدمها منك الصخور بشدّةٍ
فترجع عنها رجعة المتذلِّل
ويا طالما كرَّتْ عليك جحافلٌ
فأهلكتَ منها جحفلاً بعد جحفل
وكم نزلتْ قِدْماً عليكَ نوازلٌ
فبدَّدتَ منها آخرًا إثْرَ أَوَّل