ماتَ الزعيمُ وضلَّ كلُّ دواءِ
وطوى الردى بالأمسِ كلَّ هناءِ
فنثرتُ دمعي فوقَ طِرس محاجري
ونظمتُهُ ومزجتُهُ بدمائي
وبكَيتُهُ وبكيتُ فيه شجاعةً
كالسّيف لم يُخلقْ لغير مضاء
ومشى الأَسى بين الضّلوع فهدّها
هدًا وبات يجولُ في الأحشاء
وا حسرتا أودى الزمانُ بكوكبٍ
لم يتّقد في الليلة الليلاء
وبه قرارُ الأرضِ بات مُنعّمًا
والعينُ لم تنعم بغيرِ بكاء
لم نبكهِ إلا لمصرَ فطالما
في اليأسِ أضحكَها بحسنِ رجاء
ربُّ الندى سعدٌ لقد فُجع الحِمى
فيه برُزءٍ ليس كالأرزاء
بطلٌ لقدْ كُتبتْ صَحيفةُ مَجدهِ
بمدادِ تضحيةٍ وحسنِ بلاء
قد كانَ في وجه البطولةِ غُرّةً
بل آيةً في العزةِ القعساء
بَلْ كان عَونًا للبلاد وقِبلةً
للناس عند تشعُّب الآراء
ويدًا تطولُ إذا ادلهمّتْ كربةٌ
سِيّان في السرّاء والضرّاء
اليومَ وافتهُ منيّتهُ فما
تركتْ ولا أبقتْ سوى البُرحاء
وعدا الحِمام عليه وهو إذا عدا
يمضى بلا رَيْثٍ ولا إبطاء
لا يتَّقي شيخًا ولا يخشى فتًى
يعدو على الآباء والأبناء
أجلٌ إذا ما جاءَ موعدُه انطوتْ
تلك الحياةُ وآذنتْ بفناء
والمرءُ إمّا صفحةٌ مطويةٌ
أو صفحةٌ منشورةٌ بثناء
بالأمسِ كنتُ أقولُ يا لسعادتي
واليومَ صرتُ أنوحُ يا لشقائي
نزلَ المصابُ فقامتِ الدنيا له
والجوُّ منه مظلمُ الأرجاء
ونفتْهُ مصرٌ وهي جدُّ بخيلةٍ
من أن يصابَ بعلّةٍ أو داء
لَمْ يُبقِ - يا لَلخطب - وقعُ مُصابهِ
عضوًا بلا جُرحٍ من الأعضاء
ما كنتُ أحسبُ أن تؤول مدائحي
لمدامعٍ تبكيكَ أو لرثاء
لكنها الأقدارُ ينفذُ سهمُها
ومتى أصابَ يَخيبُ كلُّ دواء
سيسجّلُ التاريخُ أحسنَ سيرةٍ
لكَ في سجل المجد والعظماء
وتُردّد الأيامُ ذكرًا صالحًا
وتذيعُ عنكَ غرائبَ الأنباء
هل ماتَ سعدٌ؟ إنها لمصيبةٌ
ضاعت لديها حكمةُ الحكماء
هل ماتَ سعدٌ؟ إنها لمصيبةٌ
شملتْ بني الدنيا بلا استثناء
هل ماتَ سعدٌ؟ إنها لمصيبةٌ
عزَّ العزاءُ ولاتَ حينَ عزاء
لا لم يمتْ من عاشَ طيّبُ ذكرِه
بين الأنامِ على مدى الآناء
«سيشلْ» تَذكَّره، و«صخرةُ طارقٍ»
تبكيه في الإصباح والإمساء
وبيانُه يثني عليه كلما
نضبتْ بمصرَ مواردُ الخطباء
لم يبقَ في قوس التجلّدِ مَنزعٌ
كيف التجلّدُ والتجلد ناء؟
في الشرق ثَمّ مآتمٌ مأهولةٌ
تبكي عليك بألسنِ الشعراء
في الشّامِ في السودانِ في أم القرى
ما يُذهل الداني ويُشجي النائي
لَفّوكَ في عَلَمِ الجهادِ فطالما
قُدْتَ الصفوفَ به إلى العلياء
كنتَ «الهلالَ» وكيف غيَّبَكَ الثرى؟
أتُغيَّبُ الأقمارُ في الغبراء؟!
هلاَّ جعلتم في القلوب ضريحَهُ
فهو الدواءُ لها من الأدواء
للذلِّ لم تذعن كرامةُ نفسهِ
تأبى المذلةَ عزَّةُ الكرماء
ومضى على سُنن الكرامِ مجاهدًا
حتى قضى لم يشْكُ بعضَ عناء
وبنى للاستقلال صرحًا عاليًا
طوبى له قد شادَ خيرَ بناء
يا سعدُ أنتَ اليومَ حيٌّ خالدٌ
فالميْتُ حقًا ميِّتُ الأحياء
بالأمسِ ناوأك الخصومُ لأنهم
نَظروا إليكَ بمقلةٍ رمداء
واليومَ باتوا يندبون عليك في
جزعٍ فليس الوقتُ وقتَ رياء
بالفضلِ قد شهدوا وأيُّ شهادةٍ
بالفضل بعدَ شهادةِ الأعداء
والمجدُ منه بلغتَ أرفعَ قِمّةٍ
وكذا تكونُ زعامةُ الزعماء
فاستجلِ في الفردوس أجرَكَ فاغتبطْ
فلقد بلغتَ مراتبَ الشهداء
وعليك من دَمْعِ الغمام تحيّةٌ
مُزجتْ بإخلاصٍ وصدقِ وفاء
نَمْ في ضريحك ضاحكًا مستبشرًا
فمآلنا ومصيرنا للقاء